
بقلم ندى جوني
مرّ عام على سقوط نظام الأسد، عام قلب موازين الشرق الأوسط. فقد أدى سقوط النظام السوري السابق يوم 8 كانون الأول 2024 إلى تراجع دور “محور الممانعة”، ولا سيّما نتيجة الضربة العسكرية الواسعة التي شنّتها إسرائيل على “حزب الله” العام الماضي، وما تلاها من اغتيال أمينه العام السيد حسن نصرالله وأبرز قياداته. وبينما تستمر الخروقات الإسرائيلية بوتيرتها نفسها، ترتفع حدّة تصريحات المبعوث الأميركي توم براك حول سوريا الكبرى، ووجوب ضمّ لبنان لسوريا.
ضمن السياق نفسه، تتجه الأنظار اليوم حول شكل العلاقة اللبنانية السورية، التي من الواضح أنها دخلت في مرحلة التطوّر والتغيّر. لذلك، أجرى موقع “ديمقراطيا نيوز “، مقابلة مع الكاتبة والصحافية السورية عالية منصور، والصحافي ورئيس ائتلاف الديمقراطيين اللبنانيين جاد الأخوي من أجل تحليل ملامح المرحلة الجديدة بين البلدين.
منصور: دمشق تسعى لعلاقات متوازنة مع لبنان بعد عام على سقوط الأسد
تناولت عالية منصور في حديثها خلفيات زيارة الوفد اللبناني إلى دمشق، موضحة أنّها تأتي استكمالاً لزيارة وزير العدل السوري إلى بيروت واللقاءات المتتالية بين الوفود السورية واللبنانية، بهدف الوصول إلى اتفاق يفضي إلى تسليم المعتقلين السوريين إلى السلطات السورية. وذكرت أنّ هذا الملف يُعدّ أولوية في دمشق، وقد تأخّر حلّه رغم مرور عام على سقوط الأسد، معتبرة أن معالجته ضرورة للانتقال إلى ملفات التعاون الأخرى بين البلدين.
وأشارت منصور إلى أنّ الرئيس الشرع عبّر مراراً عن رغبته في بناء أفضل العلاقات الندية مع لبنان، وهو ما تبديه أيضاً الدولة اللبنانية الرسمية، إلا أنّ بعض المنغّصات تبقى قائمة بسبب تركيبة النظام السياسي اللبناني.
وفي هذا السياق، لفتت إلى أنّ ما ظهر مؤخراً يكشف عن تناقض واضح: فالتسريبات تشير إلى أنّ الاجتماع القضائي السوري ـ اللبناني في دمشق لم يكن إيجابياً، وأنّ المسودة التي طُرحت كانت سيئة بسبب العرقلة من الجانب اللبناني. وهذا يتعارض مع تصريحات الرئيس نجيب ميقاتي الذي أكد سابقاً من قصر الشعب إنّ هناك اتفاقاً يقضي بتسليم جميع المعتقلين السوريين. لكن هذا الاتفاق لم يُنفَّذ، إذ لم يُسلَّم أي معتقل حتى الآن، ما يطرح أسئلة حول الأسباب الحقيقية خلف هذا التعطيل.
كذلك، أكدت أنّ تصريحات المبعوث الأميركي توم برّاك تأتي في إطار الضغط على لبنان، بينما تبقى المواقف السورية واضحة في رغبتها بعلاقات متوازنة بين البلدين.
وأضافت أنّ المسألة اليوم ليست قدرة سوريا على التحرك، بل إرادتها السياسية، مشيرة إلى ما قاله الرئيس الشرع أمام الصحافيين العرب حول أنه كان قادراً، خلال معركة “ردع العدوان” قبل عام، على ملاحقة “حزب الله” داخل لبنان، لكنه اختار عدم القيام بذلك رغم الدعم الذي كان سيحصل عليه، لأنّ دمشق معنية بحماية حدودها وأمنها لا بخوض معارك نيابة عن أحد.
كما تناولت منصور موضوع التنسيق الأمني والعسكري القائم حالياً بين بيروت ودمشق، لافتة إلى أنّ السلطات السورية توقف بشكل متكرر شحنات أسلحة معدّة للتهريب إلى لبنان، وعلى الجانب الآخر على لبنان إيقاف حملات التحريض أو أي نشاط قد يؤثر على استقرار سوريا، مؤكدة أنّ دمشق تريد التركيز على الداخل السوري، كإعادة الإعمار، والتنمية الاقتصادية، لا فتح جبهات جديدة.
وفي ما يتعلق بالعلاقات الإقليمية، أشارت منصور إلى أنّ علاقة سوريا بالدول العربية، وتحديداً السعودية وقطر، ممتازة، وأنّ ما يُقال عن غياب الدور العربي مقابل تنامٍ للنفوذ التركي بعيد جداً عن الواقع.
وأكدت أنّ سوريا عادت إلى محيطها العربي، وأنّ الاحتضان السعودي كان واضحاً، خصوصاً الدور الكبير لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في ملف رفع العقوبات والانفتاح الأميركي على الإدارة السورية الجديدة.
الأخوي: زيارة دمشق تتجاوز الطابع القضائي… والمشهد الإقليمي يعيد رسم العلاقات
من جهته، تناول جاد الأخوي في حديثه موضوع الزيارة لوفد من وزارة العدل اللبنانية إلى دمشق، معتبراً أنها تشكّل تحولًا واضحًا في مقاربة الدولة لملف المخطوفين في السجون السورية.
وأشار الأخوي إلى أن الدولة اللبنانية انتقلت من التعاطي الرمزي و”رفع العتب” إلى مرحلة الفعل المباشر عبر تفعيل التواصل المؤسساتي الرسمي مع الجانب السوري، مؤكداً أن هذا التحوّل ينقل الملف من ساحة السجال السياسي الداخلي إلى إطار المعالجة القانونية الرسمية.
كما وذكر أن الزيارة، رغم طابعها القضائي، تحمل في خلفيتها أبعادًا سياسية لا يمكن فصلها عنها. فهي من جهة تعبّر عن اعتراف ضمني، بأن معالجة قضية المخطوفين لا يمكن أن تتم من دون التواصل المباشر مع دمشق، ما يعني بداية تليين تدريجي في العلاقة بين البلدين. ومن جهة أخرى، تأتي ضمن سياق إقليمي أوسع يشهد محاولات لإعادة ترتيب العلاقات وإطفاء بؤر التوتر، ما يجعل الخطوة جزءًا من مناخ سياسي جديد ولو لم يُعلن عنه بالوضوح الكافي حتى الآن.
كذلك، أكد الأخوي أن تكليف وفد قضائي بهذه المهمة يمنح الدولة هامشًا للحركة، دون أن تتحمّل القوى السياسية كلفة الانفتاح المباشر على سوريا، ما يحوّل القضاء إلى جسر سياسي يحفظ الشكل القانوني لكنه يحمل جوهرًا سياسيًا.
وفي قراءته للمشهد العام، أشار إلى أن الزيارات والاتصالات الأمنية والقضائية الأخيرة تعكس بداية تطبيع تدريجي وهادئ في العلاقة بين البلدين، قائم على معالجة ملفات ملحّة كالمخطوفين والنازحين وضبط الحدود. لكنه شدّد في المقابل على أن هذا التقارب يبقى محكومًا بسقوف واضحة، أبرزها الانقسام اللبناني حول العلاقة مع دمشق، الضغوط الغربية، والعقوبات على النظام السوري، ما يجعل التطبيع الحالي وظيفياً وتقنيًا أكثر منه سياسيًا كاملًا.
وفي ما يتعلق بتصريحات المبعوث الأميركي توم براك حول ضم لبنان إلى سوريا، أوضح الأخوي أنه لا يتمّ قراءتها كطرح فعليّ لتغيير الحدود أو السيادة، بل كرسالة سياسية تهدف إلى الضغط على “حزب الله” وفصل دوره عن القرار اللبناني، والحدّ من التأثير الإيراني على لبنان، في إطار صراع النفوذ الإقليمي.
وذكّر بأن دور توم براك بدأ بالتراجع في المرحلة الأخيرة، لمصلحة السفير الأميركي الجديد ميشال عيسى، الذي يتولى الملفات الدبلوماسية الأساسية، خصوصًا ما يتعلق بملف نزع السلاح، إلى جانب مشاركة مورغان أورتيغاس في المشاورات، ما يعكس تحوّل المقاربة الأميركية إلى إدارة أكثر مؤسسية وتعددًا في الأطراف.
أما حول احتمال تدخل النظام السوري عسكريًا من الجهة الشرقية دعمًا لإسرائيل، فشدّد الأخوي على أن هذا السيناريو غير وارد نهائيًا، لأن دمشق لا تملك القدرة ولا المصلحة في ذلك، ولأن أي خطوة من هذا النوع ستقوّض علاقتها مع “حزب الله” وتضعها تحت ضغوط دولية إضافية، وبالتالي فإن خياراتها تنحصر اليوم في حماية مصالحها الإقليمية والحفاظ على تحالفاتها.
