
تختصر المشكلة الأساسية بين لبنان وإسرائيل منذ نحو ستة عقود في عجز الدولة اللبنانية عن منع استخدام أراضيها منصة لعمليات عسكرية ضد إسرائيل، خلافًا لإرادة الدولة واتفاقية الهدنة، التي تعثرت من الجانب اللبناني، وليس الإسرائيلي. بدأت هذه الإشكالية مع دخول الفصائل الفلسطينية إلى لبنان منتصف الستينات، وتفاقمت بعد حرب 1967، وصولًا إلى اتفاق القاهرة عام 1969 الذي شرّع تنازل الدولة عن جزء من سيادتها.
منذ تلك اللحظة، فقدت الدولة اللبنانية السيطرة على أرضها وحدودها، وظهر من يتقاسم معها القوة، قبل أن يحوّل نشاطه لاحقًا ضد الدولة نفسها، سعيًا لتصبح القوة الوحيدة المسيطرة. وكان يدرك أن مشكلته الأساسية ليست مع إسرائيل، بل مع الدولة اللبنانية، إذ إن استعادة الدولة دورها السيادي يلغي دوره غير الشرعي.
ولعب حافظ الأسد دورًا محوريًا في هذا المسار، بدءًا بتسهيل دخول الفصائل الفلسطينية، وصولًا إلى إدخال الحرس الثوري الإيراني إلى لبنان بعد عام 1982. هدفه كان تحويل سوريا إلى لاعب إقليمي لتعزيز سيطرته الداخلية، وإشغال السوريين بالقضايا الخارجية، بينما حول لبنان إلى ساحة صراعات مثلثة: بين إسرائيل والفصائل، بين الدولة والفصائل، وبين اللبنانيين أنفسهم.
خلاصة القول، أولًا، أن الأسد كان “العراب” لإدخال الفصائل والتنظيمات التي قوّضت السيادة اللبنانية وحوّلت لبنان إلى ساحة صراعات. ثانيًا، أن الحروب الإسرائيلية على لبنان جاءت نتيجة تعطيل دور الدولة اللبنانية، التي عجزت عن منع استخدام أراضيها لأجندات إقليمية لا تعكس المصلحة الوطنية. ثالثًا، أن التنظيمات المسلحة، وآخرها “حزب الله”، تبقى مشكلتها الأساسية مع الدولة اللبنانية، لأن وجودها مرتبط بمنع قيام الدولة واحتكارها القوة والسيادة.
إن معالجة هذا الواقع لا يتحقق فقط عبر المفاوضات أو إحياء اتفاقية الهدنة أو الحديث عن السلام، بل عبر استنساخ نصوص اتفاق الطائف المتعلقة بالعلاقات اللبنانية-السورية، وتطبيقها على العلاقة مع إسرائيل: ألا يسمح لبنان بأن يكون ممراً أو مستقرًا لأي قوة أو تنظيم يستهدف أمنه أو أمن إسرائيل.
فالحروب اللبنانية وسقوط الدولة بدأت من هذه النقطة، واستمر الوضع على هذا النحو حتى اليوم. لذلك، استعادة الدولة قرارها السيادي وضبط حدودها واحتكار القوة الشرعية ليست شروطًا تفاوضية مع إسرائيل، بل شروط وجودية للدولة نفسها. ومن دون ذلك، سيبقى لبنان يدور في الحلقة المفرغة نفسها.
إن إعلان الدولة بوضوح وصراحة أنها لن تسمح بأن تكون أراضيها منصة للإضرار بأمن إسرائيل، كما هو الحال بالنسبة لسوريا، يشكّل استكمالًا لقرارات الحكومة الصادرة في الخامس والسابع من آب الماضي، ويقضي على المساحات الرمادية التي يستفيد منها “حزب الله”. وبصدور هذا الإعلان، يصبح أي كلام عن “المقاومة” خاضعًا للملاحقة العسكرية والقضائية.
تكمن أهمية هذا الموقف أولًا في أنه يوضح جوهر الأزمة اللبنانية، كون لبنان كان ممرًا للفصائل الفلسطينية والحرس الثوري الإيراني، ومستقرًا للهيمنة الخارجية على حساب الدولة. ثانيًا، في أنه يضع أمن الدولة اللبنانية على رأس الأولويات، لأن هذه التنظيمات هدفها الأول ضرب الدولة اللبنانية ومنعها من استعادة دورها السيادي.
المدخل الأساس لعودة الدولة اللبنانية إلى دورها الفعلي يكمن في رفض السماح بأن يكون لبنان ممراً أو مستقرًا لأي قوة أو تنظيم يستهدف أمنه أو أمن إسرائيل.
المصدر: شارل جبور – نداء الوطن
