لبنان بين ضغط واشنطن وحسابات الإقليم

يشي المسار الدبلوماسي الأميركي الأخير بانتقال واشنطن من مرحلة إدارة التوازنات الهشّة في الشرق الأوسط إلى محاولة فرض إطار أكثر انضباطًا على مجمل الساحات الإقليمية، عنوانه الحدّ من المبادرات الأحادية، خصوصًا تلك الصادرة عن إسرائيل.

فاللقاء الذي جمع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم برّاك شكّل إشارة واضحة إلى إعادة ترتيب الأولويات الأميركية في لحظة دقيقة. وحمل حضور برّاك، بصفتيه كمبعوث لسوريا وسفير في أنقرة، دلالة على أن واشنطن باتت تنظر إلى ملفات غزة وسوريا ولبنان كـ سلسلة مترابطة ضمن منظومة أمنية واحدة، لا كمحاور منفصلة.

الرسائل التي نقلها برّاك إلى نتنياهو، والتي وُصفت بأنها حادة وخاصة، تعكس نفاد صبر أميركي من السلوك الإسرائيلي الذي يتجاوز التفاهمات المسبقة، وتكشف عن سعي الإدارة الأميركية إلى ضبط الإيقاع الإسرائيلي قبيل قمة مرتقبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونتنياهو، تحضيرًا لمرحلة تفاوضية أوسع تهدف إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك السياسية والأمنية.

في غزة، يتخطّى المشروع الأميركي هدف تثبيت الهدوء ليصل إلى إعادة هندسة منظومة السيطرة في القطاع، عبر إنشاء قوة دولية أو إقليمية تتولى إدارة الأمن من دون احتلال مباشر. ويبرز هنا الدور التركي، حيث تراهن واشنطن على أن أنقرة قادرة على التأثير في «حماس»، ما يعكس مقاربة أميركية واقعية تعترف بمحدودية البدائل.

وتكمن أهمية هذا النموذج في إمكانية تطبيقه في مناطق أخرى، مثل جنوب لبنان، في ظل النقاش الدائر حول مستقبل قوات اليونيفيل بعد انتهاء مهمتها. وتدرس الدول الأوروبية، بدعم أميركي، إمكانية إنشاء قوة مراقبة بديلة بصيغة مدنية أو متعددة الجنسيات لضبط الحدود اللبنانية – الفلسطينية.

أما في سوريا، فيرتبط الموقف الأميركي من الشمال السوري مباشرةً بلبنان. فواشنطن ترى أن ضبط الفصائل المسلحة وخطوط الإمداد في سوريا سيُخفف تلقائيًا من التوتر على الحدود اللبنانية. وبالتالي، فإن أي تفاهم أميركي – تركي حول إدارة الشمال السوري سينعكس على توازنات القوى غير الدولتية في لبنان وعلى حركة السلاح والتمويل في المنطقة.

تواجه الدولة اللبنانية تحديًا حقيقيًا في ظل غيابها عن طاولات التفاهم الإقليمي، ما يجعلها عرضة لتلقي ترتيبات أمنية مفروضة تحت شعار الاستقرار. ومع ذلك، فإن التشدّد الأميركي إزاء تصريحات نتنياهو عن نزع سلاح «حماس» يشير إلى رغبة في تجنّب أي تصعيد إسرائيلي جديد، وهو ما ينطبق أيضًا على الساحة اللبنانية.

وعليه، تدخل المنطقة مرحلة جديدة تتجاوز سياسة احتواء الأزمات نحو إعادة رسم الأدوار. ويقف لبنان أمام خيارين: إما استثمار الضغط الأميركي على إسرائيل لتحسين شروطه التفاوضية في ما يتعلق بالحدود الجنوبية والأمن، أو البقاء هامشًا يُعاد تشكيله وفق مصالح الآخرين.

إنها مرحلة القرار لا الانتظار، والضمانة الوحيدة تكمن في قدرة اللبنانيين على توحيد الموقف الوطني وقراءة التحوّلات بدقّة قبل أن تتحول إلى وقائع مفروضة.

المصدر: أنطوان الأشقر – صحيفة اللواء

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top