
بقلم رفيق عبدالله- ديمقراطيا نيوز
أثارت قضية الشخص المعروف باسم “أبو عمر” موجة واسعة من التفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث جرى توصيفها في كثير من الأحيان كدليل على هشاشة الساحة السياسية اللبنانية، أو حتى على “تفاهتها”، انطلاقًا من فكرة أن شخصًا محدود الإمكانات استطاع اختراقها والتأثير في مساراتها. غير أن هذا التوصيف، على شيوعه، يبقى قاصرًا عن مقاربة جوهر المسألة، بل يساهم في تبسيط مخلّ لواقع أكثر تعقيدًا.
فالتحليل السياسي لا يستقيم إذا انطلق من افتراض أن فاعلًا فرديًا، بلا تكليف ولا غطاء ولا أدوات، قادر وحده على التحرك في هذا المستوى من الحساسية، ولفترة زمنية طويلة نسبيًا، ومن دون أن يُلتقط أو يُحاصر أو يُعطَّل. ما جرى لا يمكن فهمه بوصفه “حيلة شخص تافه”، بل كحالة استُخدمت فيها أداة صغيرة ضمن لعبة أكبر، تُدار وفق منطق استخباراتي معروف يقوم على تشغيل وسطاء غير مباشرين، واختبار البيئات الهشة، وتحقيق مكاسب سياسية منخفضة الكلفة.
منذ خروج سعد الحريري من الحياة السياسية، دخلت الساحة السنية في لبنان مرحلة انتقالية مفتوحة، اتسمت بغياب مرجعية جامعة قادرة على ضبط الإيقاع السياسي أو إنتاج قرار داخلي واضح. هذا الواقع أفرز حالة من التشتت داخل الكتل والشخصيات، ورفع منسوب الاعتماد على التقديرات الخارجية والإيحاءات غير المعلنة، بدل بناء توازنات داخلية صلبة. في مثل هذا المناخ، تصبح القنوات غير الرسمية أكثر قابلية للحركة، لا بسبب قوتها الذاتية، بل بسبب هشاشة البيئة التي تتحرك فيها.
ضمن هذا السياق، لا يبدو “أبو عمر” فاعلًا مستقلًا، بل أداة جرى تشغيلها في مساحة متروكة بلا ضبط. فالرجل لم يمتلك مشروعًا سياسيًا، ولم يستند إلى قاعدة تمثيلية، لكنه تحرك ضمن هامش محسوب، مستخدمًا لغة الإيحاء، ونقل الرسائل، وتضخيم الصلة الخارجية. هذا النوع من الأدوار لا ينجح تلقائيًا، بل يحتاج إلى بيئة مهيأة، وإلى صمت يوازي الفعل، وإلى غياب متعمد أو غير متعمد للرادارات المعنية.
هنا تبرز الإشكالية الأساسية في النقاش الدائر حاليًا. فالتقليل من شأن ما جرى عبر اختزاله في “تفاهة الشخص” يتجاهل حقيقة أن تشغيل وسطاء من هذا النوع هو أسلوب معروف في العمل السياسي والاستخباراتي، خصوصًا في الساحات المفتوحة والمتداخلة مثل الساحة اللبنانية. الأداة في هذه الحالات لا تكون ذات قيمة بحد ذاتها، بل بقابليتها للاستخدام، وبقدرتها على التحرك من دون أن تُنسب مباشرة إلى الجهة التي تقف خلفها.
المعطيات المتداولة تشير إلى أن نشاط “أبو عمر” استمر لفترة غير قصيرة، شملت تواصله مع نواب وفاعلين سياسيين، قبل أن يُكشف أمره. هذا الاستمرار لا يمكن تفسيره فقط بقصور داخلي، بل يطرح تساؤلات حول طبيعة المتابعة الإقليمية للملف اللبناني، وحول ما إذا كان هذا النشاط قد جرى في ظل تجاهل، أو في إطار مراقبة غير مباشرة، أو ضمن هامش اختبار سياسي. في جميع الأحوال، فإن غياب التدخل المبكر سمح بتحول الأداة إلى عامل إرباك فعلي.
ظهر هذا الإرباك بوضوح خلال الساعات الثماني والأربعين التي سبقت تكليف رئيس الحكومة. حتى تلك اللحظة، كانت غالبية التقديرات تشير إلى إعادة تسمية نجيب ميقاتي، استنادًا إلى توازنات داخلية قائمة وغياب بدائل تحظى بتوافق واسع. إلا أن المشهد تبدل بسرعة، وبرز اسم نواف سلام كخيار حاز دعمًا نيابيًا مفاجئًا. هذا التحول السريع، غير المشروح سياسيًا في حينه، فتح الباب أمام روايات متعددة، من بينها الحديث عن دور لعبه “أبو عمر” في توجيه عدد من النواب والكتل نحو هذا الخيار.
بغض النظر عن دقة هذه الروايات، فإن أهميتها تكمن في أنها وجدت بيئة قابلة لتصديقها واعتمادها كإطار تفسيري لما جرى. وهذا بحد ذاته مؤشر على خلل في إدارة الصورة السياسية، وعلى غياب رواية واضحة من الجهات المعنية قادرة على نفي الإيحاءات أو ضبطها. وقد زاد من الالتباس أن نواف سلام لم يكن، وفق ما كان متداولًا سابقًا، الخيار المفضل للمملكة العربية السعودية، ومع ذلك جرى تسويق تكليفه داخليًا على أنه يحظى بغطاء سعودي. لاحقًا، ومع تبلور الأمر الواقع، بدا أن الرياض اختارت التعاطي البراغماتي مع النتيجة، من دون أن يعني ذلك تبنيًا سياسيًا كاملًا، إلا أن هذا التمييز لم يُفصل بوضوح في الداخل اللبناني.
تعزز هذا الالتباس أكثر مع بروز تناقض في طبيعة الفريق السياسي والإعلامي المحيط بنواف سلام، إضافة إلى عدد من النواب الداعمين له، والذين يُنظر إليهم على أنهم قريبون من دولة إقليمية أخرى، تمر علاقتها مع السعودية بمرحلة حساسة. هذا التناقض لم يُعالج علنًا، ما أبقى المشهد مفتوحًا على تفسيرات متعددة، من بينها فرضية أن الساحة اللبنانية استُخدمت مرة أخرى كمساحة اختبار وتسجيل نقاط في صراع إقليمي غير معلن.
في هذا الإطار، تبدو قضية “أبو عمر” أقل أهمية من الدلالة التي تحملها. فهي لا تكشف عن قدرة شخص على اختراق الساحة، بقدر ما تكشف عن قابلية الساحة للاختراق حين يغيب القرار، وتضعف المتابعة، وتُدار السياسة الخارجية بمنطق اللامبالاة أو الحد الأدنى من الحضور. كما تبرز مخاطر التقليل من شأن الأدوات الصغيرة، التي قد تكون، في لحظات الفراغ، أكثر فعالية مما يوحي به حجمها.
في الخلاصة، لا يمكن التعامل مع ما جرى كحادثة عابرة أو كمهزلة سياسية. إنها حالة دالة على مرحلة تُدار فيها الساحات الهشة عبر أدوات غير مباشرة، وتُترك فيها الفراغات لتملأها إيحاءات وسرديات ملتبسة. وفي مثل هذه الظروف، لا يكون السؤال من هو “أبو عمر”، بل من ترك الرادار معطلًا، ومن سمح للأداة بأن تتحرك، ومن اكتفى بالمراقبة إلى أن تحولت الأداة إلى مشكلة سياسية قائمة بذاتها.
