
لم يكن “قانون قيصر”، منذ إقراره، مجرد أداة ضغط أميركية على سوريا، بل تحول عملياً إلى شبكة عقوبات عابرة للحدود أصابت لبنان في عمق بنيته الاقتصادية والتجارية والمالية، بفعل الترابط الجغرافي والتاريخي والاقتصادي بين البلدين.
من هنا، يكتسب توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إلغاء القانون دلالات تتجاوز الإطار السوري المباشر، إذ يفتح نافذة أمام لبنان لالتقاط أنفاسه بعد سنوات من الخنق غير المعلن الذي فُرض عليه عبر العقوبات.
وقال مصدر وزاري لصحيفة الأنباء إن الاقتصاد اللبناني “تلقى ضربة مزدوجة بفعل قانون قيصر”، إذ وجد نفسه محاصراً بتداعياته من دون أدوات حماية. فالقانون الذي صُمم لمنع أي تعامل اقتصادي أو مالي مع سوريا، أدى عملياً إلى شلّ حركة العبور البرّي للبنان نحو عمقه العربي، ما تسبب بخسائر كبيرة للمزارعين والصناعيين، وارتفاع كلفة النقل إلى مستويات غير قابلة للتحمل.
وأضاف المصدر أن الأضرار لم تقتصر على التجارة، بل طالت دور لبنان البنيوي كمركز عبور وخدمات لوجستية إقليمية، إذ تأثرت المرافئ اللبنانية مباشرة بتوقف حركة الترانزيت، فيما تجمدت الاستثمارات في قطاعات النقل والتخزين والخدمات المرتبطة بها، وسط مناخ دولي حذر من أي تعامل مع سوريا.
وعلى المستوى المالي، كانت الضربة أشد وطأة، إذ واجه القطاع المصرفي قيوداً إضافية فرضتها المصارف المراسلة في الخارج، ما عطّل التحويلات وأقفل أبواب التمويل وزاد عزلة لبنان المالية، في وقت كان الاقتصاد بأمس الحاجة إلى دعم خارجي.
كما انعكس “قانون قيصر” بشكل مباشر على ملف الطاقة في لبنان، فعطّل إمكانية استجرار الغاز والكهرباء عبر الأراضي السورية، ما دفع الدولة إلى حلول مكلفة وغير مستدامة عمّقت الأزمة بدل معالجتها.
ورأى المصدر أن إلغاء القانون يشكّل محطة مفصلية للبنان، إذ يفتح الباب أمام إعادة وصل ما انقطع، ولا سيما في مجالي التبادل التجاري وحركة العبور البري، كما يخفف الضغوط على التجار والمصارف، ويعيد للبنان موقعه الطبيعي كممرّ إقليمي لا كاقتصاد معزول.
وأشار إلى أن الأثر الإيجابي يمتد إلى ملف إعادة إعمار سوريا، حيث يمتلك لبنان فرصة واقعية ليكون شريكاً أساسياً، بفضل موقعه الجغرافي وخبراته البشرية في مجالات المقاولات والهندسة والنقل والمرافئ والخدمات المصرفية.
وأكد أن إلغاء القانون سينعكس إيجاباً على الاستقرار النقدي والمالي، من خلال تقليص المخاطر الإقليمية وتخفيف عزلة لبنان الاقتصادية، ما يعزز شروط التفاوض مع الخارج.
وختم المصدر بالتأكيد على أن هذه الفرصة ليست تلقائية، إذ تبقى الاستفادة منها مشروطة بقدرة لبنان على استعادة انتظامه المالي والمؤسساتي وتقديم نفسه كشريك موثوق، لأن رفع العقوبات لا يغني عن الإصلاحات البنيوية المطلوبة لتحويل الانفراج الخارجي إلى مكاسب داخلية مستدامة
المصدر: داوود رمال – الأنباء الكويتية
