من يستثمر الساحة اللبنانية لإستهداف السعودية؟

بقلم رفيق عبدالله- ديمقراطيا نيوز

لم يعد لبنان اليوم مجرّد دولة مأزومة تعاني فراغاً دستورياً وانهياراً اقتصادياً، بل تحوّل إلى ساحة اختبار مفتوحة لصراعات إقليمية تبحث عن نفوذ منخفض الكلفة وعالي التأثير. فمع غياب الدولة، وتعطّل المؤسسات، وتفكك القرار المركزي، بات المجال اللبناني مستباحاً سياسياً وإعلامياً، وقابلاً لأن يُستثمر في معارك تتجاوز حدوده بكثير.

هذا الواقع لا يمكن فصله عن التحولات التي شهدها الإقليم خلال السنوات الأخيرة. فالصراعات العربية لم تعد تُدار فقط في ميادين المواجهة التقليدية، بل انتقلت إلى ساحات أكثر هشاشة، حيث يمكن تسجيل نقاط سياسية وإعلامية من دون الانزلاق إلى صدام مباشر. من اليمن إلى السودان، مروراً بمساحات عربية أخرى، بدا واضحاً أن منطق إدارة النفوذ بات يقوم على استثمار الفراغ أكثر من فرض السيطرة.

في هذا السياق، يبرز لبنان كحلقة ضعيفة في منظومة الأمن العربي، وكأرض رخوة تسمح بتجريب أدوات جديدة للصراع: شخصيات وظيفية، منصات إعلامية، حملات تضليل، وادّعاء تمثيل قوى إقليمية كبرى. وما يجري على الساحة اللبنانية اليوم ليس محاولة لحسم النفوذ، بل سباق على التشويش، وإرباك الخصوم، وتسجيل اختراقات معنوية تُستخدم لاحقاً في التفاوض الإقليمي.

الملفت في هذه المرحلة هو أن هذا الاشتباك يجري ضمن قواعد مضبوطة. لا أحد يريد تفجير الساحة بالكامل، ولا أحد يسعى إلى قلب الطاولة. إنها معركة «إدارة فوضى»، تُستخدم فيها الرموز والأسماء الثقيلة أكثر مما تُستخدم فيها الأدوات الصلبة. وهنا تحديداً تكمن خطورة ما يجري: استغلال اسم المملكة العربية السعودية، بما لها من رصيد تاريخي وسياسي عميق في لبنان، في هذا الصراع غير المعلن.

فالسعودية ليست لاعباً طارئاً في لبنان. حضورها لم يكن يوماً قائماً على الفرض أو الإكراه، بل على شراكة سياسية، ودعم للاستقرار، ومظلّة عربية حالت دون انهيار التوازنات في محطات مفصلية. هذا الرصيد لا يمكن لأي طرف آخر أن ينافسه أو يحل مكانه. ومع ذلك، فإن ما يجري اليوم هو محاولة للاستثمار في هذا الاسم، أو الإيحاء باستخدامه، أو خلق التباس بين الموقف الرسمي السعودي وبين تحركات أطراف تدّعي القرب منه.

الهدف من هذا الأسلوب ليس تقليص النفوذ السعودي الفعلي في لبنان، فذلك شبه مستحيل، بل تسجيل نقاط على مستوى الصورة، وإظهار أن الساحة اللبنانية تُدار من دون حضور سعودي فاعل، أو أن المملكة تراجعت عن دورها التقليدي، أو أنها لم تعد تعتبر لبنان أولوية. وهذا بحد ذاته يشكّل ثغرة في إدارة الملف، حتى لو لم يكن يعكس الواقع الحقيقي لموقف الرياض.

لا شك أن المملكة تمرّ بمرحلة تاريخية تضع فيها التنمية الداخلية في صدارة أولوياتها، ضمن رؤية طموحة أعادت تعريف دور الدولة واقتصادها ومجتمعها. غير أن هذا التركيز، المشروع والمفهوم، لا ينبغي أن يُفسَّر إقليمياً على أنه انكفاء عن الساحات الحساسة. فلبنان، بحكم موقعه وتركيبته، ليس ملفاً هامشياً، بل جزء من التوازن المشرقي ومن الأمن السياسي العربي الأوسع.

إن ترك الساحة اللبنانية لما يجري اليوم لا يعني الحياد، بل يسمح لقوى أخرى باللعب في الفراغ، وباختبار حدود الصبر السعودي، وباستخدام لبنان منصة لتوجيه رسائل غير مباشرة. واللعب في ما يُنظر إليه تقليدياً على أنه «الحديقة الخلفية» للمملكة، حتى بأساليب ناعمة، لا يمكن أن يمر من دون تداعيات على المدى المتوسط.

كما أن التجربة أثبتت أن غياب السعودية عن لبنان لا يُنتج استقراراً، بل يفتح الباب أمام مزيد من الفوضى، ويُضعف القوى التي ترى في العمق العربي سنداً لها، ويعزّز منطق الوكالات بدل منطق الدولة. وفي المقابل، فإن أي عودة سعودية مدروسة، هادئة، وغير انفعالية، كفيلة بإعادة ضبط الإيقاع، وكبح محاولات الاستثمار في الانهيار، وإعادة التوازن إلى النقاش السياسي اللبناني.

الخلاصة أن لبنان اليوم ليس مركز الصراع، بل إحدى ساحاته الثانوية التي تُستخدم لتسجيل النقاط. غير أن حساسية هذه الساحة، ورمزيتها بالنسبة للمملكة العربية السعودية، تجعل من تجاهلها خطأً استراتيجياً. فالتنمية الداخلية القوية لا تتناقض مع الحضور الإقليمي الواعي، وترك الفراغ في لبنان لا يحمي المصالح السعودية، بل يعرّضها للاختبار. والرسالة الأهم التي يبعثها ما يجري اليوم هي أن العودة السعودية إلى لبنان لم تعد مسألة خيار، بل ضرورة سياسية لمنع تحوّل هذا البلد إلى ساحة مفتوحة لكل من يريد العبث بالتوازن العربي.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top