
لم يعد التصعيد الجوي الإسرائيلي في القرى الحدودية جنوب لبنان يُنظر إليه كحوادث أمنية متفرقة، بل بات يعكس نمطاً منظماً يهدف إلى زعزعة الاستقرار النفسي للسكان ومنع عودة الحياة الطبيعية إلى المناطق الحدودية. وتشمل الضربات الإسرائيلية مواقع داخل القرى، حفّارات لإعادة الإعمار، وسيارات مدنية، في ما يبدو كسياسة تهدف إلى إبعاد الأهالي عن بلداتهم وإجهاض محاولات إعادة الإعمار.
فقد نفذ الجيش الإسرائيلي عملية نسف لمنزلين في الحارة التحتا ببلدة كفركلا، وألقت طائرتان مسيّرتان قنابل متفجرة على بلدة حولا، ما أدى إلى تضرر حفّارة وعدد من السيارات. كما ألقت مسيّرة أخرى قنبلة صوتية على بلدة العديسة.
ويقول الأهالي إن هذا القصف يُدار وفق منطق “صناعة الخوف”، عبر استهدافات ليلية متكررة، هدفها تعطيل العودة إلى القرى. وأوضح الطبيب نادر محمد خاروف من بلدة حولا في حديث لـ*“الشرق الأوسط”* أن ما حدث “لم يكن حادثاً أمنياً عابراً، بل سلسلة ضربات متعمدة استهدفت الحفارة وسيارات مدنية في وسط البلدة”، مؤكداً أن “الهدف ليس عسكرياً بل ترهيبي بامتياز لمنع إعادة الإعمار وتشجيع السكان على الرحيل”.
وأشار خاروف إلى أن نسبة العائدين إلى البلدة لا تتجاوز 30% بسبب غياب مقومات الحياة الأساسية، وأن تكثيف القصف الليلي جعل كثيرين يتراجعون حتى عن الزيارات المؤقتة، لافتاً إلى أنّ من بقي في البلدة يفعل ذلك بدافع الظروف المادية لا الأمان.
وفي ميس الجبل، ورغم غياب الغارات مؤخراً، فإن الخوف وحده يقوم مقام القصف. إذ أثار تحليق طائرة إسرائيلية من نوع كواد كابتر فوق حفّارة حالة ذعر، دفعت صاحبها إلى الاتصال بالجيش اللبناني الذي سارع إلى سحب الآلية، خشية استهدافها كما حصل في حوادث سابقة.
ويتزامن هذا الترهيب الجوي مع ملاحقات وعمليات استهداف داخل العمق، حيث أُصيبت سيارة في بلدة جناتا – قضاء صور نتيجة ضربة من مسيّرة إسرائيلية، ما أدى إلى إصابة أحد المارة، نُقل إلى المستشفى لتلقي العلاج، وفق ما أفادت بلدية البلدة.
هكذا، يتكرّس في الجنوب اللبناني مناخ خوف ممنهج، تُدار من خلاله سياسة ترهيب المدنيين وإضعاف إرادة العودة، في وقت تتزايد فيه مؤشرات أن الاستهدافات الإسرائيلية تتجاوز الأهداف العسكرية نحو الضغط النفسي والإنساني على سكان القرى الحدودية.
المصدر: الشرق الأوسط
