
بقلم ندى جوني
شكّل عام 2025 مرحلة مفصلية في مسار الشرق الأوسط، إذ جاء من جهة امتداداً لديناميات إقليمية متراكمة اتّسمت باستمرار الأزمات وتداخل النزاعات، ومن جهة أخرى عكس تحوّلات سياسية وأمنية ساهمت في تعديل بعض التوازنات القائمة. وقد أفضت تطوّرات ميدانية وتسويات محدودة إلى إعادة إنتاج معادلات إقليمية جديدة، ولا سيّما في ظل تراجع تأثير محور الممانعة عقب انهيار نظام الأسد أواخر عام 2024. لذلك، نتناول في هذا التقرير أبرز الأحداث الأمنية والسياسية التي طبعت المنطقة خلال عام 2025، في محاولة لفهم مساراتها وانعكاساتها على المشهد الإقليمي العام.
أولاً: الأحداث السياسية
- إعلان التعديل الدستوري في سوريا وتعيين الشرع رئيساً للجمهورية العربية السورية: شهدت سوريا خلال شهر آذار 2025 توقيع الإعلان الدستوري السوري الذي حدّد مرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات، في إطار ترتيبات سياسية جديدة لإدارة شؤون البلاد. ونصّ الإعلان على إعادة تنظيم السلطات العامة وتحديد أسس الحكم خلال المرحلة الانتقالية. وبموجب الإعلان الدستوري، أُعلن أحمد الشرع رئيسًا لسوريا، مع منحه صلاحيات قيادة المرحلة الانتقالية والإشراف على مؤسسات الدولة، إلى حين إقرار دستور دائم وإجراء استحقاقات سياسية لاحقة.
- جولة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الخليج: قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بجولة تاريخية في السعودية وقطر والإمارات، أسفرت عن توقيع صفقات واستثمارات ضخمة تُقدّر بتريليونات الدولارات، شملت مبيعات أسلحة هائلة مع السعودية واتفاقيات اقتصادية مع قطر والإمارات في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. وأعلن خلال الجولة عن مفاوضات جادة مع إيران للتوصل إلى اتفاق نووي، مع التأكيد على السعي لحل الأزمة الإنسانية في غزة.
- لقاء ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع: عقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أول لقاء مباشر مع الرئيس السوري أحمد الشرع على هامش القمة الخليجية الأميركية بالرياض. وتم خلال اللقاء الاتفاق على رفع العقوبات عن سوريا، دعم إعادة الإعمار، وتعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب، بما في ذلك تنظيم الدولة. حضر اللقاء ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان عبر الإنترنت، إضافة إلى وزيري خارجية البلدين. اعتبر اللقاء خطوة تاريخية نحو تطبيع العلاقات السورية–الأميركية ودعم الاستقرار الإقليمي.
- اتفاق شرم الشيخ لوقف إطلاق النار في غزة: بعد عامين من الإبادة الإسرائيلية على أهل غزة، تمّ التوصّل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بتوقيع من مصر، قطر، تركيا، والولايات المتحدة الأميركية خلال قمة شرم الشيخ يوم 13 تشرين الأول 2025، ضمن خطة شاملة لإعادة إعمار القطاع ونزع سلاح الفصائل، مع إنشاء “مجلس السلام الخاص بغزة” لإدارة المرحلة الانتقالية، وسط ترحيب دولي واسع.
- اعتراف أكثر من 150 دولة بدولة فلسطين: في خطوة تاريخية لتعزيز حل الدولتين، أعلنت فرنسا خلال “مؤتمر حل الدولتين” اعترافها بدولة فلسطين في الأمم المتحدة، وتبعها بلجيكا ولوكسمبورغ ومالطا وأندورا خلال 24 ساعة. يأتي هذا بعد اعتراف أستراليا وبريطانيا وكندا والبرتغال مسبقًا، ما رفع إجمالي الدول المعترفة بفلسطين إلى أكثر من 150 دولة من أصل 193 عضوًا في الأمم المتحدة، في ظل تدهور الوضع الإنساني في غزة وارتفاع أعداد الضحايا والمحتاجين.
- ترامب يلغي قانون قيصر في سوريا: وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قانون تفويض الدفاع الوطني، الذي تضمن أكبر موازنة سنوية لوزارة الحرب الأمريكية بأكثر من 900 مليار دولار، وألغى بموجبه قانون قيصر الذي فرض عقوبات على سوريا منذ 2019. ينص القانون على تقديم تقارير دورية للكونغرس على مدى 4 سنوات لمتابعة التزام الحكومة السورية بمكافحة الإرهاب وحماية الأقليات والسعي للسلام مع الدول المجاورة، مع إمكانية فرض عقوبات محددة في حال عدم الالتزام لفترتين متتاليتين. وتُعد هذه الخطوة تمهيدًا لعودة الاستثمارات والمساعدات الأجنبية ودعم الاقتصاد السوري تحت قيادة الرئيس أحمد الشرع.
ثانياً: الأحداث الأمنية
- أحداث الساحل السوري: شهدت مناطق الساحل السوري (اللاذقية وطرطوس وجبلة وبانياس) خلال الفترة 6–10 آذار 2025 موجة عنف طائفي واسعة النطاق، عقب مواجهات بين فلول نظام بشار الأسد وقوات الإدارة السورية الجديدة. أسفرت هذه الأحداث عن سقوط مئات المدنيين، مع تقديرات تشير إلى احتمال تجاوز الألف، إضافة إلى قتلى من قوات الأمن والمسلحين المرتبطين بالنظام السابق، ورافقتها انتهاكات جسيمة شملت إعدامات وعمليات قتل وحرق ونهب قرى.
- موجة احتجاجات واسعة تهز ليبيا: شهدت ليبيا خلال شهر أيار عام 2025 موجات احتجاج واسعة في طرابلس ومدن غربية وشرقية، طالبت بتنحي حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة وتسريع إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية. أسفرت الاحتجاجات عن تنحي بعض الوزراء، مع استمرار حالة الجمود السياسي والصعوبات في تنفيذ خريطة الطريق. يمثل هذا الحراك الشعبي أحد أبرز سمات المشهد الليبي خلال العام، مع انعكاسات مباشرة على الاستقرار السياسي والاجتماعي.
- اعتراض سفينة مادلين لكسر حصار غزة: أبحرت سفينة مادلين في بداية شهر حزيران 2025 لكسر الحصار الإسرائيلي على غزة ونقل مساعدات إنسانية، وكان على متنها ناشطون وصحفيون من بينهم غريتا ثانبرغ. بعد ثمانية أيام، اعترضتها القوات الإسرائيلية في المياه الدولية واحتجزت طاقمها بشكل تعسفي، في خرق للقانون الدولي وأوامر محكمة العدل الدولية بالسماح بوصول المساعدات إلى غزة.
– انطلاق قافلة الصمود نحو غزة: انطلقت قافلة الصمود من تونس نحو قطاع غزة بدعم أكثر من ألف مشارك من تونس والجزائر وليبيا وموريتانيا، في أول محاولة عربية جادة لكسر الحصار عن غزة وتقديم مساعدات إنسانية. القافلة عبرت ليبيا باتجاه مصر لتصل إلى معبر رفح، وسط دعم شعبي وتعقيدات سياسية محتملة. تعتبر القافلة رمزًا للتضامن العربي الإنساني مع الفلسطينيين، وتجسيدًا لموقف أخلاقي وحقوقي ضد الحصار الإسرائيلي والكارثة الإنسانية في القطاع.
- حرب 12 يوماً بين اسرائيل وإيران: اندلعت الحرب بين إيران وإسرائيل من 13 إلى 24 حزيران 2025 على خلفية فشل المفاوضات النووية بين طهران وواشنطن، وتصاعد المخاوف الإسرائيلية من البرنامج النووي والصاروخي الإيراني. شنت إسرائيل لأول مرة ضربة غير مسبوقة على المنشآت النووية والصاروخية الإيرانية، فيما ردت إيران بقصف صاروخي على تل أبيب، مما مثل أول هجوم مباشر وحاد تتعرض له العاصمة الإسرائيلية بهذا الشكل.
- مجازر السويداء: شهدت محافظة السويداء موجات عنف متصاعدة بين فصائل محلية وعشائر بدوية خلال شهر تموز 2025، وتصاعدت الاشتباكات لتدخل القوات الحكومية، ما أسفر عن سقوط أكثر من 1000 قتيل وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان، بينهم مدنيون من الطرفين. توثقت حالات إعدامات ميدانية، اغتيالات، واختطاف أكثر من 560 شخصاً، بينهم نساء وأطفال.
- القصف الإسرائيلي وسط دمشق: شنّت اسرائيل سلسلة من الغارات الجوية على دمشق، استهدفت مبنى الأركان العامة ووزارة الدفاع ومحيط القصر الرئاسي، عقب تجدد الاشتباكات العنيفة في محافظة السويداء بين قوات الأمن السورية ومجموعات مسلحة محلية. وأسفرت الغارات عن إصابة مدنيين، فيما أكدت إسرائيل أن الضربات جاءت كرسائل تحذيرية وهدفت إلى حماية الدروز في جنوب سوريا، مع تهديد بالتصعيد إذا لم تتجاوب الحكومة السورية.
- اغتيال قيادة حكومة الحوثيين في صنعاء بقصف إسرائيلي: يوم 28 آب 2025، أعلنت جماعة أنصار الله (الحوثيون) مقتل رئيس حكومتها أحمد الرهوي وعدد من الوزراء في قصف إسرائيلي استهدف مواقع في العاصمة صنعاء، أثناء ورشة عمل حكومية، يوم 28 آب 2025. فجّر الإغتيال تصعيداً سياسياً وعسكرياً، إذ توعد الحوثيون برد ” قاسٍ ومؤلم “، فيما أكد زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي استمرار موقفهم الداعم لفلسطين.
- الهجوم الإسرائيلي على العاصمة القطرية: شنّت اسرائيل يوم 9 أيلول 2025 غارات جوية على مبانٍ سكنية في العاصمة القطرية الدوحة، استهدفت اجتماعاً لقياديين من حركة حماس لمناقشة مقترح أميركي لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، ما أسفر عن استشهاد 6 أشخاص من المرافقين ومسؤول أمني قطري. دانت قطر الهجوم واعتبرته “إرهاب دولة” وانتهاكًا صارخًا للسيادة، مؤكدة اتخاذ إجراءات قانونية. وأثار الحادث إدانات عربية ودولية واسعة، مع التأكيد على ضرورة احترام القوانين الدولية وحماية الجهود الدبلوماسية لوقف التصعيد في المنطقة.
- مجازر قوات الدعم السريع في الفاشر السودانية: شهدت مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور في السودان خلال شهر تشرين الأول 2025، تصعيداً خطيراً في أعمال العنف ضد المدنيين، على خلفية الحرب المستمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. وبعد حصار طويل وتدهور الأوضاع الأمنية، تعرضت أحياء سكنية ومراكز إيواء للنازحين لهجمات واسعة من قوات الدعم السريع، أسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى، ونزوح عشرات الآلاف من السكان. ووفق تقارير إعلامية وحقوقية، شملت الانتهاكات عمليات قتل جماعي ونهب واسع، إلى جانب انهيار شبه كامل للخدمات الإنسانية. وأثارت هذه الأحداث إدانات دولية، مع تحذيرات من أن ما جرى في الفاشر قد يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لتُعدّ من أبرز محطات الصراع السوداني.
- التوغّل الإسرائيلي في ريف درعا والقنيطرة: شهد عام 2025 تصعيداً ملحوظاً في التوغّلات الإسرائيلية داخل مناطق من ريف درعا الغربي وريف القنيطرة جنوبي سوريا، في سياق التوتر المستمر على الحدود السورية الإسرائيلية. وشملت هذه التوغلات تحركات عسكرية محدودة داخل الأراضي السورية، إضافة إلى غارات واستهدافات لمواقع وبنى عسكرية.
- هجوم تدمر: أقدم مسلّح من تنظيم داعش يوم 13 كانون الأول 2025 على قتل جنديان أميركيان ومترجم أميركي وعنصر من الأمن السوري قرب مدينة تدمر، أثناء جولة واجتماع مشترك لمكافحة الإرهاب. أعقب الهجوم انتشار عسكري أميركي واسع وعمليات تمشيط مشتركة مع القوات السورية، فيما توعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرد على أي هجوم جديد، وسط تأكيد سوري بوجود تحذيرات مسبقة من نشاط داعش في المنطقة.
- هجوم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) على حلب: شهدت مدينة حلب اشتباكات عنيفة بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والقوات الحكومية، تخللتها عمليات قصف مدفعي وتهديف طالت أحياء سكنية ومرافق حيوية، بينها مشفى الرازي وأحياء الجميلية والأشرفية والشيخ مقصود. وأسفر التصعيد عن سقوط قتلى وجرحى من المدنيين وحدوث موجات نزوح محدودة، وسط تبادل للاتهامات بين الطرفين حول المسؤولية. شهد عام 2025 تحولات سياسية وأمنية كبيرة في الشرق الأوسط، ترافقت مع صراعات دموية وأحداث تاريخية مثل إعادة ترتيب المشهد السوري، تصاعد النزاعات في ليبيا والسودان، والتوترات الإسرائيلية الإيرانية، إلى جانب خطوات مهمة نحو حل القضايا الفلسطينية. تعكس هذه الأحداث ديناميات متشابكة بين المصالح الإقليمية والدولية، وتطرح تساؤلات حول قدرة المنطقة على تحقيق استقرار دائم.
