
بدا التصعيد العسكري الإسرائيلي الأخير في لبنان حلقة متقدمة ضمن مسار ضغط سياسي – ميداني متدرّج، اتخذ من شمال نهر الليطاني مسرحًا جديدًا له، عشية انعقاد اجتماع لجنة “الميكانيزم” المعنية بوقف الأعمال العدائية وتثبيت الاستقرار.
فقد شكّلت الغارة التي استهدفت فجر الثلاثاء مبنى في المنطقة الصناعية في سينيق – الغازية قرب صيدا، وما سبقها من ضربات متزامنة في البقاع الغربي وجزين ومحيط صيدا، مؤشرًا واضحًا إلى توسيع رقعة العمليات الإسرائيلية بما يتجاوز الإطار الجغرافي التقليدي جنوب الليطاني.
وقال خبير عسكري لصحيفة الأنباء إنّ تزامن الغارات مع تحليق مكثف للطيران المسيّر فوق بعلبك، صور، والزهراني، يعكس “محاولة تثبيت خريطة تصعيد جديدة تمتد من شمال الليطاني إلى حوض الأولي وصولًا إلى مناطق في البقاع”، معتبرًا أن ذلك “يشير إلى انتقال إسرائيل من مرحلة الضغط المحدود إلى توسيع بنك الأهداف في توقيت محسوب”.
وأشار الخبير إلى أنّ توقيت التصعيد عشية اجتماع لجنة “الميكانيزم” يوحي بـ”محاولة استباقية لفرض وقائع ميدانية جديدة”، خصوصًا مع الدفع نحو فتح ملف المرحلة الثانية من حصرية السلاح شمال الليطاني، بعد إنجاز الجيش اللبناني انتشاره جنوب النهر ضمن ما هو مطلوب منه، باستثناء المناطق الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي.
وأضاف أنّ الرسائل الإسرائيلية مزدوجة الاتجاه:
- الأولى موجّهة إلى الدولة اللبنانية لتأكيد أن ما تحقق جنوب الليطاني لا يُعدّ كافيًا من وجهة نظر إسرائيل.
- والثانية إلى المجتمع الدولي ومفادها أن إسرائيل “لن تنتظر المساعي السياسية، بل ستلجأ إلى الضغط العسكري لفرض جدول أعمالها على أي مسار تفاوضي أو آلية متابعة”.
ولفت الخبير إلى أن طبيعة الغارات الأخيرة، من حيث تنقلها الجغرافي وتنوع أهدافها، تُظهر اعتماد إسرائيل سياسة مركبة تجمع بين الضغط العسكري المباشر والتأثير النفسي، عبر إنذارات مسبقة في بعض المناطق وضربات مفاجئة في أخرى، الأمر الذي أدى إلى دمار واسع في الممتلكات وسقوط ضحايا.
كما أشار إلى أن توسيع دائرة الاستهداف لتشمل مواقع تزعم إسرائيل ارتباطها بـ”حزب الله” و”حماس” في مناطق ذات غالبية سنية في البقاع الغربي، يحمل دلالات تتجاوز البعد العسكري، تهدف إلى تعميم التوتر ومنع حصره جغرافيًا أو سياسيًا، بما يرفع منسوب الضغط الداخلي ويُعقّد المشهد الأمني.
وختم الخبير بالقول إنّ إسرائيل تتعامل مع المرحلة الراهنة كفرصة لإعادة رسم قواعد الاشتباك السياسية والأمنية، مستفيدة من تحكمها بإيقاع التصعيد والتهدئة، ومن حساسية الظرف الإقليمي والدولي، محذّرًا من أنّ استمرار هذا النهج “يضع اجتماعات لجنة الميكانيزم أمام اختبار حاسم بين تثبيت منطق التهدئة أو الانزلاق نحو فرض الوقائع بالقوة، بما يحمله ذلك من مخاطر على استقرار لبنان”.
المصدر: داوود رمال – نداء الوطن
