
كان متوقعًا أن يعلن الجيش اللبناني انتهاء مهامه في جنوب نهر الليطاني بعد إنجاز المرحلة الأولى من خطة جمع السلاح، بإنهاء جميع المظاهر المسلحة في تلك المنطقة. وقد لاقى هذا الإنجاز إشادة واسعة من الأمم المتحدة وقوات اليونيفيل والموفدين الدوليين، إضافة إلى ترحيب أبناء الجنوب، لما أظهره الجيش من حرفية عالية ودقة وثقة كبيرة رسمية وشعبية.
في المقابل، لم يكن مفاجئًا رفض كيان الاحتلال الإسرائيلي الاعتراف الكامل بما أنجزه الجيش اللبناني، رغم إقراره أكثر من مرة بأن “الجيش قام بعمل عظيم لكنه غير كافٍ”، لأن هدف الاحتلال – وفق ما تشير المعطيات – هو تفريغ القرى الجنوبية من سكانها، سواء كانوا من أنصار حزب الله أو غير المنتمين إليه، تمهيدًا لإقامة منطقة حدودية خالية من السكان والحياة.
وقد كرر عدد من قادة الاحتلال، وآخرهم وزير الحرب يسرائيل كاتس، أن جيش الاحتلال لن ينسحب من النقاط المحتلة.
ويستند الاحتلال في استمرار اعتداءاته اليومية إلى ذرائع واهية، أبرزها مزاعم وجود عناصر أو بنى تحتية لحزب الله جنوبي الليطاني، لتبرير بقاء قواته في المنطقة الحدودية والضغط على لبنان للقبول بشروطه المدعومة أميركيًا، وعلى رأسها إقامة منطقة عازلة خالية من السكان تحت إشراف اقتصادي أميركي مباشر. ولهذا، يحاول الاحتلال إبعاد قوات اليونيفيل والجيش اللبناني ولجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية (الميكانيزم) عن مواقع عملياته، لإخفاء انتهاكاته عن “الشهود الأحياء” من أبناء الجنوب.
وفي سياق متصل، يشير التقرير إلى أنّ الولايات المتحدة تواصل استخدام ذراعيها العسكريتين – القوة المباشرة عالميًا والذراع الإسرائيلية في الشرق الأوسط – كوسيلة ضغط وهيمنة. وبعد سيطرتها على مرافق النفط في فنزويلا، صعّدت واشنطن حملتها ضد حزب الله، متهمةً إيّاه بتهريب المخدرات وتبييض الأموال، في إطار حربها على محور المقاومة الممتد من لبنان إلى إيران.
ويُعتبر الأخطر، بحسب مراقبين، التغاضي الدولي عن الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان، وتراجع دور لجنة “الميكانيزم” منذ تأسيسها قبل أكثر من عام، إلى جانب مشاركة بعض الدول الصديقة في الضغط على لبنان للرضوخ للمطالب الأميركية والإسرائيلية.
كما بدأت التسريبات عبر الإعلامين العبري والغربي تشير إلى أن المرحلة المقبلة من الضغط العسكري الإسرائيلي قد تمتد شمالي الليطاني وصولًا إلى نهر الأولي عند المدخل الشمالي لمدينة صيدا، وهي منطقة مكتظة بالسكان وتضم قطاعات زراعية وصناعية وخدماتية كبرى، ما يهدد بتوسيع دائرة العدوان إلى نطاق قد لا يستطيع لبنان تحمّله.
ومع ذلك، تؤكد مواقف الرؤساء الثلاثة – الجمهورية والمجلس النيابي والحكومة – أنّ لبنان مصرّ على استكمال المرحلة الثانية من خطة جمع السلاح، رغم عدم تحديد قيادة الجيش بعد آلية التنفيذ أو مهلة زمنية واضحة بسبب التعقيدات الميدانية والسياسية.
وتحذر مصادر متابعة من أنّ أي خطوة متسرعة في هذا الاتجاه قبل انسحاب الاحتلال ووقف عدوانه وتحرير الأسرى وإعادة إعمار الجنوب قد تخلق توترًا داخليًا خطيرًا وتصبّ في مصلحة إسرائيل، التي تراهن على صدام داخلي بين الجيش وحزب الله وبيئته الحاضنة، وتكثّف ضغوطها شمالي الليطاني لتحقيق هذا الهدف.
📄 المصدر: غاصب المختار – جريدة اللواء
