المساعي تراوح مكانها… ما مصير لبنان؟

كلّما بدأ لبنان السير في مرحلة جديدة نحو إعادة بناء الدولة وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، سرعان ما يطرأ حدث إقليمي أو دولي كبير يعيد الأمور إلى نقطة الجمود ويؤخر أي تقدم في الملفات الحساسة، ولا سيّما ما يتصل ببسط سلطة الدولة في الجنوب وجمع السلاح. وهكذا يجد لبنان نفسه مجددًا في حالة انتظار طويلة بلا حلول حقيقية، فيما تواصل الحكومة تحرّكها البطيء لمعالجة القضايا الداخلية.

فبعد الاعتداء الأميركي على فنزويلا واحتجاز الرئيس نيكولاس مادورو، انشغلت واشنطن بمتابعة مشروعها في أمريكا اللاتينية. ثم جاءت التطورات السورية الأخيرة لتستحوذ على اهتمام الدول الكبرى الساعية إلى تثبيت الاستقرار هناك. وتبعتها الاحتجاجات العنيفة في إيران التي شغلت الإدارة الأميركية والاحتلال الإسرائيلي، وسط حديث عن احتمال تدخل عسكري لزيادة الضغط على طهران. أما العالم العربي، فغارق في أزمات اليمن والسودان و”أرض الصومال”

نتيجةً لذلك، بات من الواضح أن الملف اللبناني مؤجل إلى حين انقشاع غبار هذه التطورات. وتدلّ على ذلك مؤشرات عدّة، أبرزها تجميد عمل لجنة الإشراف على تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية (الميكانيزم)، وتعطّل زيارات الموفدين الفرنسي والمصري والسعودي الذين كان من المفترض أن يزوروا بيروت لتحريك الملفات العالقة. كما يُتداول حديث عن إحياء اللجنة العربية – الدولية الخماسية (مصر، السعودية، قطر، فرنسا، والولايات المتحدة)، التي توقفت أعمالها منذ أكثر من عام، باستثناء تحرّكات محدودة وغير فعالة لسفرائها في لبنان.

ويرى مراقبون أن التحركات العربية والدولية ما زالت تراوح مكانها، بذريعة تلكؤ لبنان في تنفيذ بعض المطالب، مثل حصر السلاح ونشر الجيش على كامل الأراضي واستكمال الإصلاحات المالية عبر إقرار قانون الفجوة المالية. لكن حتى لو أُقرّ القانون وجمع الجيش السلاح، فلن يتغير الكثير، لأن جوهر التعطيل مرتبط بالشروط الأميركية والإسرائيلية المعروفة، والتي تربط أي حل بوقف الاعتداءات الإسرائيلية، وانسحاب جيش الاحتلال من النقاط المتبقية في الجنوب، وإطلاق الأسرى، وتسهيل إعادة الإعمار.

وتشير المعطيات إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل تربطان الحل النهائي في لبنان بتسوية شاملة للمنطقة، وهي تسوية لا تبدو قريبة في ظل إعادة رسم الخرائط السياسية وإعادة تركيب أنظمة الحكم من المشرق إلى شمال أفريقيا والخليج. ويُضاف إلى ذلك الصراع الأميركي – الصيني المتصاعد، إذ تواجه واشنطن مقاومة متنامية لمحاولاتها فرض هيمنتها العالمية، بينما تهدد بكين بالتصعيد في ملف تايوان وتربط موقفها بما يجري في فنزويلا والعقوبات المفروضة عليها.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبقى لبنان الحلقة الأضعف في المنطقة، بلا أدوات حقيقية لفرض إرادته أو حماية استقراره. ونتيجة لذلك، يتعرض لتقلبات سياسية وأمنية متكررة، وتُترك أزماته على رفوف الانتظار، فيما يبقى مهددًا بتوترات إسرائيلية متقطعة — تارة ساخنة وأخرى باردة — وفق إيقاع التصعيد أو التهدئة الذي تحدده تل أبيب.

المصدر: غاصب المختار – صحيفة اللواء

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top