
بقلم ندى جوني
يعيش لبنان أزمات متلاحقة تفجّرت منذ ست سنوات، أدّت إلى انهيار مالي وضياع ودائع المواطنين في المصارف، التي لم تتمكّن من إعادة أموال الناس نتيجة الفساد السياسي. وعوضًا عن حلول حقيقية تعيد الثقة بالنظام المالي، شهدت البلاد سلسلة من الخطط الفاشلة لتوزيع خسائر القطاع المصرفي، إضافة إلى استمرار تقاذف التهم بين الفرقاء السياسيين.
اليوم، يتصدّر قانون الفجوة المالية المشهد، باعتباره محاولة جديّة لتحمّل المسؤولية ومناقشة آلية حماية الودائع وإعادة الانتظام المالي، رغم أن كثيرين يرون أنه قد يعيد إنتاج أخطاء الماضي، خاصة في ظل الضغوط الخارجية التي تُجبر لبنان على البحث عن حلول مؤقتة ومرقّعة. ولهذا أجرى موقع ” ديمقراطيا نيوز “، مقابلة مع خبير المخاطر المصرفية الدكتور محمد فحيلي لتقديم رؤية معمّقة حول القانون ومساراته المحتملة.
فحيلي يشرح خريطة الفجوة المالية في لبنان: من يتحمّل الخسائر؟
في مستهلّ حديثه، أشار خبير المخاطر المصرفية الدكتور محمد فحيلي، إلى أن قانون الفجوة المالية يشبه إلى حدّ كبير قانون الإصلاح المصرفي الذي أقرّه مجلس النواب، لافتاً إلى أن تنفيذ هذا الإصلاح جرى ربطه بقانون الفجوة المالية، من دون أن يتجاوز ذلك إطار إطلاق عجلة الانتظام المالي. وأكد أنه لا توجد أي ضمانة فعلية للوصول إلى النتائج المرجوّة، لأن المشكلة الأساسية ليست في النصوص القانونية بل في التطبيق، مشدداً على أن مفهوم استعادة الأموال بحد ذاته يتضمن مسارات قضائية وإجرائية متعددة ومعقّدة.
وذكر فحيلي أن الأزمة اللبنانية هي أزمة مركّبة ومتشابكة، ومن الصعب معالجة أحد مكوناتها دون أن ينعكس ذلك على باقي الأزمات.
وأوضح أن الأزمة المصرفية كانت نتيجة سوء إدارة أموال مصرف لبنان، في حين أن أزمة مصرف لبنان تعود إلى سوء تقدير المصارف التجارية في كيفية توظيف أموال المودعين. أما أزمة المصارف التجارية نفسها، فأرجعها إلى انعدام الشفافية مع الزبائن، وسعيها المحموم لاستقطاب ودائع من الخارج فاقت قدرتها الفعلية على توظيفها في الاقتصاد اللبناني بطريقة منتجة.
وأكد فحيلي أن المصارف لجأت، ولتأمين كلفة الودائع والفوائد المرتفعة، إلى مصرف لبنان، واضعة مليارات الدولارات بين يديه، ما دفع الأخير إلى توظيف هذه الأموال لدى الدولة، التي بدورها أنفقتها من دون أي حسّ رقابي أو محاسبي، ما أدى إلى هدرها.
وخلص فحيلي إلى أن جميع الأطراف المعنية تتحمّل المسؤولية الكاملة عمّا حصل، كلٌّ من موقعه.
وفي ما يتعلّق بما صدر عن حاكم مصرف لبنان كريم سعيد في مؤتمره الصحفي، أشار فحيلي إلى أن ما تمّ طرحه يندرج ضمن مسار قضائي بحت، وهو جزء من مسؤولية الحاكم في الحفاظ على موارد المصرف المركزي.
وذكر أن تحويل هدر المال العام من ملف مهمل بأيدي السياسيين إلى موضع اهتمام رسمي يعدّ خطوة إيجابية من حيث المبدأ، إلا أن العبرة تبقى في التنفيذ، متسائلًا عمّا إذا كان هذا المسار سيقود فعلياً إلى برّ الأمان.
كذلك، أشار فحيلي إلى أن لبنان يتحدث منذ أكثر من أربع سنوات عن محاربة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة، في حين تم تعديل قانون السرية المصرفية مرتين، عامي 2022 و2025، من دون أن يُستكمل التدقيق الجنائي أو يُسجّل أي تقدّم فعلي. ولفت إلى أن لبنان يمتلك من أفضل القوانين في مجال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، لا سيما القانون 44/2015 الصادر في تشرين الثاني 2015، بشهادة مجموعة العمل المالي نفسها، ومع ذلك وصل لبنان إلى اللائحة الرمادية وإلى لائحة الدول العالية المخاطر لدى الاتحاد الأوروبي، ما يؤكد أن المشكلة ليست في التشريع بل في التنفيذ.
وفي هذا السياق، قدّم فحيلي تفكيكاً بنيوياً لمفهوم الفجوة المالية، موضحًا أنها تتوزّع على أربع علاقات أساسية: بين المودع والمصرف التجاري، وبين المصارف التجارية ومصرف لبنان، وبين المصارف التجارية والدولة، وبين مصرف لبنان والدولة. ولفت إلى أن القاسم المشترك بين هذه الفجوات هو التمييز بين فجوة السيولة وفجوة الملاءة، معتبرًا أن معالجة السيولة ممكنة تقنيًا عبر التدفقات، في حين أن معالجة الملاءة تتطلب قرارات سياسية وقانونية تحدد بشكل واضح من يتحمّل الخسائر النهائية.
وأكد أن الفجوة المالية في لبنان ليست مسألة تقنية أو محاسبية، بل خريطة مسؤوليات، وأن أي مقاربة لا تبدأ من الفجوة السيادية بين الدولة ومصرف لبنان تبقى مجرّد إدارة للألم لا علاجًا للأزمة.
وشدّد على أن البدء من هذه الفجوة لا يعني تحميل المودعين الخسائر، بل على العكس، يفرض تثبيت مبدأ التراتبية، بحيث يتحمّل من استفاد وقرّر وموّل الخسائر قبل الضحية، من خلال مسارين متوازيين: مسار سيادي يعالج ميزانية الدولة والمصرف المركزي، ومسار لإعادة هيكلة المصارف يطبّق تراتبية الخسائر فعليًا، بما يجعل معالجة الودائع ممكنة ضمن مسار حقوق واضح، ممول، وخاضع للرقابة.
وشدّد فحيلي على أن مسؤولية إعادة الانتظام إلى القطاع المالي تقع على عاتق مصرف لبنان وحاكمه، وليس على مجلس الوزراء، مذكّراً بأن قانون النقد والتسليف واضح لناحية تحديد صلاحيات ومسؤوليات المصرف المركزي، ولجنة الرقابة على المصارف، وهيئة التحقيق الخاصة.
وذكر أن هذه الجهات مطالبة بممارسة الرقابة الفعلية والتأكد من أن المصارف تتعامل مع الأفراد والمؤسسات بشكل منتظم، وبما ينسجم مع مسؤوليتها تجاه الاقتصاد اللبناني.
وأضاف أن إعادة الخدمات الائتمانية وفرض عودة المصارف القادرة على تكوين سيولة كافية إلى خدمة الاقتصاد لا يحتاج إلى قوانين جديدة، بل إلى تطبيق قانون النقد والتسليف القائم. وأكد أن كلام حاكم مصرف لبنان صحيح جزئياً، إلا أنه لم يكن موجّهاً إلى المودع اللبناني أو إلى المصارف، بل إلى مجموعة العمل المالي والمجتمع الدولي، في محاولة لإظهار أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح.
في موازاة ذلك، أوضح فحيلي أن المعيار الحقيقي للحكم على أي سياسة مالية أو نقدية هو المودع نفسه، معتبراً أن شعور المودع بالاطمئنان هو المؤشر الوحيد على أن مصرف لبنان والدولة يقومان بواجباتهما كما يجب. وذكر أن القوانين الحالية، سواء قانون النقد والتسليف أو قانون الموجبات والعقود، تحمي أموال المودعين، وإذا جرى تطبيقها فعلياً، يمكن مساءلة أي مصرف يمتنع عن تأمين الوديعة ومحاسبته وفق الأصول.
وأعرب فحيلي عن خشيته من أن القوانين التي يتمّ العمل على تمريرها في مجلس النواب تهدف في جوهرها إلى استبعاد المساءلة والمحاسبة عن الأشخاص الذين كانوا شركاء مباشرين في إنتاج الأزمة المالية. وأكد أنه لا توجد أي ضمانات حقيقية بأن الأمور ستسير في الاتجاه الصحيح، في ظل غياب تضارب المصالح، لأن الجميع بحسب تعبيره متفق على حلول تحميهم من المساءلة.
وأشار إلى أن ما جرى خلال السنوات الست الماضية لم يتعدَّ كونه مماطلة وتقاذفاً للتهم وتوزيعاً للأدوار، من دون إجراءات جدية وملموسة تضع لبنان على المسار الصحيح، لافتًا إلى أنه من المبكر الحديث عن النسخة النهائية لقانون الفجوة المالية، نظرًا لأنه سيخضع للنقاش في لجان المال والموازنة، والإدارة والعدل، قبل وصوله إلى الهيئة العامة.
وختم فحيلي بالتأكيد أن المسار الإلزامي الذي سيمر به القانون ملوّث بشهية مكوّنات الطبقة السياسية لتحقيق مكاسب داخلية، خصوصًا في ظل اقتراب الانتخابات النيابية عام 2026. بدوره استبعد إقرار قانون الفجوة المالية في نهاية المطاف، متوقعًا أن يعيده مجلس النواب إلى مجلس الوزراء بلهجة انتقادية عالية، بهدف تسجيل مواقف شعبوية تخدم الاستحقاق الانتخابي المقبل، مذكّراً بما حصل بالإنتخابات النيابية عام 2022 حين لجأت الطبقة السياسية إلى توقيع اتفاق مبدئي مع صندوق النقد الدولي لتلميع صورتها، قبل أن تعود إلى المجلس النيابي بأكثرية وازنة.
