
يشهد المشهد اللبناني تصعيداً إسرائيلياً مدروساً يجمع بين تعطيل أي مسعى دبلوماسي ورفع منسوب الضغط العسكري إلى مناطق جديدة. وبينما تستمر المبادرات الدبلوماسية عبر الموفدين، لا سيما القناة الفرنسية، يأتي الرد الإسرائيلي عملياً عبر توسيع نطاق الاستهداف الجوي، في رسالة واضحة بأن تل أبيب ماضية في فرض أجندتها الأمنية بالقوة، وأن الميدان بات أداة رئيسية لإدارة هذا الملف.
وقال مصدر سياسي رفيع لـ«الأنباء» إن جولة الموفد الفرنسي جان-إيف لودريان ولقاءاته مع المسؤولين اللبنانيين، إضافة إلى اجتماعاته مع الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان والسفير الأميركي ميشال عيسى، “لم تقابل بأي ليونة إسرائيلية”، بل أظهرت “الانزعاج المتصاعد في تل أبيب من الدور الفرنسي”، الذي ترجمه سعي إسرائيل لتحجيم حضور باريس وإخراجها من لجنة «الميكانيزم».
وأوضح المصدر أن “خلفيات هذا التوجه تتجاوز لبنان، وترتبط بصراعات نفوذ أوسع في المنطقة، إذ يُنظر إلى لبنان كجزء من إعادة صياغة أدوار الشركاء الدوليين”. في هذا الإطار، تم تأجيل اجتماع «الميكانيزم» المزمع عقده خلال الفترة الحالية إلى موعد غير محدد، وسط توقعات بعدم انعقاده خلال الشهر الجاري.
وأشار المصدر إلى أن التأجيل جاء نتيجة عوامل متعددة، من بينها التباين الفرنسي-الأميركي حول إدارة المسار، والتوافق الداخلي بين الدولة اللبنانية والجيش حول تأجيل خطة سحب السلاح من شمال الليطاني، مستغلة إسرائيل هذا التعثر لإضعاف أي مسار تفاوضي لا يخضع لشروطها.
وأضاف المصدر أن إسرائيل تعتبر الدور الفرنسي جزءاً من المنافسة الإقليمية على النفوذ في شرق المتوسط، وتسعى لتقليص حضور باريس ضمن إعادة ترتيب موازين القوى وتحديد هوية الوسطاء وآليات الرقابة والأمن، خصوصاً فيما يتعلق بمستقبل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان.
وفي الوقت نفسه، تبذل باريس جهوداً للحفاظ على وجود أمني وعسكري أوروبي في جنوب لبنان بعد انتهاء ولاية «اليونيفيل» مع نهاية السنة، رغم حاجتها لتوافق دولي على آلية بديلة، بينما تدفع إسرائيل نحو تنسيق أمني مباشر مع لبنان بدعم أميركي واضح، يُضعف أي حضور فرنسي مستقل.
وشدد المصدر على أن “محاولة إخراج فرنسا من لجنة «الميكانيزم» تعكس صراع نفوذ طويل الأمد وإعادة بناء النظام الأمني الإقليمي، حيث يُراد لفرنسا أن تصبح لاعباً ثانوياً ضمن الإطار الأميركي-الإسرائيلي”.
على المستوى الميداني، أشار المصدر إلى أن الانسداد السياسي تُرجم بتصعيد عسكري، إذ وسعت إسرائيل غاراتها لتطال البقاع الغربي وجرود الهرمل، مع استهداف مناطق لم تكن ضمن نطاق الضربات سابقاً. فقد نفذت ست غارات على رأس العاصي واستهدفت تلال بريصا للمرة الأولى، إلى جانب قصف مبان في سحمر ومشغرة بعد توجيه إنذارات للسكان، في رسالة واضحة بأن القوة الجوية تُستخدم كأداة ضغط لتعطيل المسارات الدبلوماسية.
وختم المصدر بالقول إن لبنان يواجه “مرحلة شديدة الخطورة”، مع تراجع فرص الوساطة وتآكل دور الوسطاء، مقابل تصعيد عسكري متدرج يوسع رقعة الاستهداف ويخلق وقائع جديدة على الأرض، فيما يظل المشهد مفتوحاً على احتمالات أكثر تعقيداً في انتظار تبدل موازين القوى أو تسوية إقليمية تعيد الاعتبار للحلول السياسية.
المصدر: داوود الرمال، الأنباء الكويتي
