
كتب الدكتور عبدالله بارودي
نجح الرئيس نجيب ميقاتي من خلال مقابلته ليل أمس من كشف الكثير من خفايا، خبايا وكواليس مرحلة ترؤسه حكومته الأخيرة -خصوصًا- المسار الصعب والشاق الذي سلكه خلال مفاوضات وقف اطلاق النار مع الجانب الأميركي وعبره مع الطرف الإسرائيلي.
لكن أبرز ما تضمنته المقابلة، الرسائل الأربعة التي أراد ميقاتي من خلالها توصيف علاقته بكل من رئيس الجمهورية جوزاف عون، رئيس الحكومة نواف سلام، “حزب الله” وأخيرًا المملكة العربية السعودية بهدف قطع الطريق على أي تأويلات او مغالطات او سهام مسمومة قد توجّه له من هنا أو هناك !..
الرسالة الأولى : جوزاف عون
ظهر واضحًا من حديث الرئيس ميقاتي مدى العلاقة الوطيدة التي تجمعه مع الرئيس عون والثقة المتبادلة التي بُنيت بين الطرفين والتعاون الوثيق الذي كان أبرز عناوين المرحلة التي أحاطت بعلاقة رئاسة الحكومة والمؤسسة العسكرية، وهو ما برز جليًّا في مشهدية جولتهما بالمناطق الجنوبية.
ولادة هذه “الثُنائية” بين الرجلين، جعلت الرئيس عون يأمل ويتمنى ان تُفضي نتائج الإستشارات النيابية الملزمة الى تسمية ميقاتي -مجددًا- لرئاسة الحكومة، ولعل أبرز شواهدها حينها كانت تسمية النائب الراحل سكاف لميقاتي !..
عدم وصول ميقاتي الى سدة الرئاسة الثالثة لم يمنع من استمرار التواصل بين ميقاتي وعون والتداول والتنسيق في مختلف القضايا والملفات الوطنية والإقليمية، وهو ما أكد عليه ميقاتي في مقابلته.
الرسالة الثانية : نواف سلام
بحنكة يُحسد عليها استطاع ميقاتي تحويل خسارته في الإستشارات النيابية الملزمة الى انتصار معنوي وأخلاقي بالدرجة الأولى. الرجل قالها بصراحة، كل التوازنات المحلية والمؤشرات الدولية كانت تقود الى اعادة تكليفه برئاسة الحكومة، لا بل كان واضحًا أكثر حين أكد بأنه انطلق في عملية تأليفها واختيار الوزراء الجدد عطفًا على ما كان يستند اليه من معطيات تؤكد اعادة تسميته. لكنه في نفس الوقت، ورغم علمه ومعرفته بأصحاب الأيادي السوداء التي ساهمت في عملية الإنقلاب على كل ما جرى الإتفاق عليه -بعكس طبعًا ما أراد اظهاره علنًا – الا أنه اكتفى بتوصيف المشهدية، و الإصرار على عدم حمل أي حقد أو ضغينة في قلبه وعقله لأي طرف او فريق سياسي.
من هنا، وجّه ميقاتي التحية والتقدير للرئيس سلام مستذكرًا العلاقة المتينة التي جمعتهما منذ سنين طويلة ومتمنيًا له التوفيق والنجاح في مهمته الشائكة.
أكثر من ذلك، سخّف ميقاتي عملية “أبو عمر” ومدى تأثيرها على نتائج الإستشارات النيابية الملزمة، لكنه استطاع من خلال اسلوب اجابته الهادئ والرصين والواثق، ان يظهر الفرق الشاسع بينه وبين الرئيس سلام نفسه الذي لم يوفق بتاتًا لا شكلًا ولا مضمونًا في تعليقه على نفس السؤال بإطلالته الإعلامية الأخيرة !..
الرسالة الثالثة : حزب الله
يعلم الرئيس ميقاتي بفعل الممارسة وتراكم التجربة، و الخبرة السياسية التي اكتسبها ان التعاطي المستفز مع “حزب الله” وبيئته الحاضنة لا يحقق النتائج المرجوة والأهداف المنشودة. لذلك، ورغم أنه كان واضحًا في مسألة حصرية السلاح وبأن الدولة وأجهزتها الأمنية الشرعية هي وحدها من لها الحق في بسط سيطرتها على كامل التراب الوطني. لكنه في نفس الوقت أشار الى النسختين الإنكليزية والعربية من اتفاق وقف اطلاق النار، حيث أوردت النسخة الأولى التي وافق عليها مجلس الوزراء عبارة سحب السلاح ابتداءًا من جنوب الليطاني، في حين خلت النسخة الثانية التي كانت بعهدة بري من كلمة “ابتداءًا” وأكدت على سحب السلاح من جنوب الليطاني، وهو ما تسبّب بالإشكال واللغط الذي حصل لاحقًا والمستمر لغاية اليوم. ووجّه ميقاتي رسالة “هادئة” الى الحزب تمنى فيها ان يتخذ القرار الذي يحقق مصالحه ومصلحة لبنان العليا.
اشارة يجب على الحزب ان يعي أهميتها في ما لو أراد المحافظة على تنظيمه أقلّه وفق المستوى السياسي !..
الرسالة الرابعة : المملكة العربية السعودية
ما رواه الرئيس ميقاتي عن طبيعة العلاقة التي تربطه بالأمير يزيد بن فرحان دليل قاطع على ان التواصل بين المملكة العربية السعودية وميقاتي لا يشوبه أي شائبة. جلسات ولقاءات ودية جمعت الرجلين وقضايا وأمور كثيرة جرى البحث فيها بعمق، وهو ما لا يمكن للأمير بن فرحان القيام به في ما لو كانت هناك ملاحظات او غضب من القيادة السعودية تجاه ميقاتي.
مؤشر آخر تعمّد ميقاتي ذكره، حين أعلن صراحة ان “أبو عمر” حاول التواصل معه عبر رقمه الإنكليزي الخاص، فاستفسر فورًا من السفير السعودي وليد بخاري عن حقيقته بعكس معظم الشخصيات السياسية الأخرى التي وقعت ضحية “الأمير المزعوم” وهي حركة في طبيعة الحال ستسجل له في الذاكرة السعودية !..
ثمة من يقول، بأن رسائل ميقاتي الأربعة اذا ما تمّ متابعتها وتحليلها ورصدها بشكل دقيق وعميق، لتولدت قناعة بأن “السراي الحكومي” قد تحتضن ابنها “الطرابلسيّ” في أي لحظة !..
