
بقلم غنوى أبو ضاهر- ديمقراطيا نيوز
قبل أيام، كتبنا عن المنازل المهدّدة بالسقوط في طرابلس. لم يكن ما كتبناه نصًا إنشائيًا ولا تمرينًا لغويًا، بل كان تحذيرًا صريحًا وواضحًا من كارثة وشيكة. قلنا إن الأرواح في خطر، وأن الإهمال قد يقتل. واليوم تحوّل التحذير إلى واقع مرعب.
فجر اليوم، انهار مبنى في منطقة القبة، وعمّت حالة رعب لم تشهدها المنطقة منذ سنوات. صراخ يتخلّل الركام، هلع يملأ الشوارع، ووجوه مذهولة تبحث عن الأمان الذي لم يعد موجودًا. دقائق قليلة كانت كافية لتحويل بيوت مأهولة إلى كتل إسمنتية متهاوية، وطمأنينة زائفة إلى خوف دائم.
ما جرى ليس حادثًا مفاجئًا، ولا قضاء وقدر وحده. ما جرى هو نتيجة مباشرة لسنوات من الإهمال، وغياب الرقابة، والتقاعس الرسمي، وترك الناس يواجهون مصيرهم تحت أسقف متشققة وجدران منهارة. هذه ليست كارثة طبيعية، بل كارثة إدارية وأخلاقية، ومحصلة فشل ممنهج.
الأخطر أن المبنى الذي سقط اليوم ليس استثناءً. عشرات، بل مئات المباني المهددة ما زالت قائمة في مناطق عدة من طرابلس: القبة، الثرايا العتيقة، أبي سمراء، الزاهرية، والميناء.
مبانٍ متصدعة، متآكلة، مهترئة، تسكنها عائلات لا تملك خيار الرحيل، وتعيش كل ليلة تحت احتمال الموت.
عندما كتبنا سابقًا، لم نكن نصف كلمات، ولم نكتب نصًا إنشائيًا. كنا نحذّر، كنا نقرع جرس الخطر قبل أن تقع الكارثة. لكن في لبنان، لا أحد يسمع إلا بعد أن يتحوّل التحذير إلى مأساة، والخطر إلى ركام.
الدولة اللبنانية تتحمّل المسؤولية الكاملة عن هذا الخطر المستمر. كل تأخير في الكشف على المباني، كل ملف يُهمَل، وكل تحذير يُتجاهَل، هو مشاركة مباشرة في تعريض حياة الناس للقتل. الصمت الرسمي لم يعد تقصيرًا فقط، بل تواطؤًا.
ما حصل اليوم يجب أن يكون إنذارًا أخيرًا، لا خبرًا عابرًا يُنسى غدًا. المطلوب تحرّك فوري، مسح هندسي شامل، قرارات جريئة، وخطط حقيقية لحماية المواطنين قبل أن نشهد انهيارًا جديدًا، وذعرًا جديدًا، وضحايا محتملين.
كل مبنى متصدع هو قنبلة موقوتة، وكل تأخير هو لعب بحياة الناس.
