
بقلم رفيق عبدالله – ديمقراطيا نيوز
يُطرح ملف الأبنية المتصدّعة في طرابلس غالباً من زاوية إنسانية أو عاطفية، فيما المطلوب مقاربة تقنية–قانونية واضحة تُحدّد المسؤوليات وتضع مساراً عملياً قابلاً للتنفيذ. فالمشكلة لا تختزل في مبانٍ قديمة أو متشققة، بل في تراكم عوامل هيكلية على مدى ما يقارب 35 إلى 40 عاماً، أبرزها غياب الدولة، الحرب، الإهمال التنظيمي، وتعطّل أدوات القانون.
الإطار القانوني العام
من حيث المبدأ، يتحمّل مالك العقار مسؤولية صيانة المبنى أو تدعيمه أو هدمه عند الاقتضاء. ولا تتدخل الدولة مباشرة إلا في حالات الكوارث الطبيعية أو عند تهديد السلامة العامة. إلا أن هذا المبدأ يفترض وجود دولة فاعلة تطبّق القانون وتمنع المخالفات وتوفّر بيئة تشريعية متوازنة، وهو ما لم يتحقق في طرابلس لسنوات طويلة.
أثر الحرب وتراجع العمر الافتراضي للمباني
لا يمكن فصل الوضع العمراني في طرابلس عن جولات القتال المتكرّرة التي شهدتها المدينة على مدى نحو ثماني سنوات. هذه الجولات خلّفت أضراراً مباشرة في عدد من الأبنية نتيجة إصابات بالقذائف والرصاص، إضافة إلى آثار غير مباشرة ناتجة عن الإهمال اللاحق وتراجع القدرة الاقتصادية للسكان والمالكين. تقنياً، هذه العوامل أسهمت في تقليص العمر الافتراضي لعدد من المباني، ما يضع جزءاً من المسؤولية على الدولة التي كانت معنية بإنهاء النزاع ومعالجة نتائجه العمرانية بعد التوصّل إلى تسويات أمنية.
في العديد من الدول الخارجة من نزاعات داخلية، تُدرج أعمال الترميم الأولي والتدعيم ضمن برامج “ما بعد النزاع” كجزء من إعادة الاستقرار. هذا لم يحصل في طرابلس، فانتقلت الأبنية المتضرّرة من مرحلة الضرر القابل للمعالجة إلى مرحلة الخطر الإنشائي.
الزلزال كعامل تفاقم
إلى جانب الحرب، شهدت المدينة هزّة أرضية أثّرت بشكل خاص على الأبنية القديمة والهشّة. ووفق المعايير الدولية، تُعدّ الزلازل – ولو متوسطة الشدّة – سبباً مشروعاً لتدخل الدولة عبر برامج تدعيم محدودة أو دعم فني ومالي مرحلي. غياب هذا التدخل ساهم في تسريع التدهور البنيوي، لا سيما في الأبنية التي كانت أصلاً متأثرة بعوامل أخرى.
البناء العشوائي وضعف الرقابة
العامل الثالث يتمثّل في البناء العشوائي وإضافة طوابق مخالِفة فوق أبنية غير مهيّأة إنشائياً. هذه الممارسات حصلت في ظل ضعف الرقابة وغياب المساءلة، ما يجعل الدولة شريكاً غير مباشر في الخلل. تقنياً، أي معالجة جدّية تفترض إخلاء الطوابق المخالِفة فوراً وإزالتها إذا ثبت أنها تشكّل خطراً إنشائياً، بغضّ النظر عن الاعتبارات الاجتماعية أو السياسية.
الإيجارات القديمة كعامل تعطيل
يزداد التعقيد مع استمرار نظام الإيجارات القديمة، الذي حرم المالكين من موارد كافية للصيانة، وخلق حالة شلل قانوني: لا المالك قادر أو راغب في الاستثمار في الترميم، ولا المستأجر معنيّ بتحمّل كلفة عقار لا يملكه. معالجة هذا الملف شرط أساسي لأي سياسة مستدامة، إذ لا يمكن تحميل المالك مسؤوليات كاملة في ظل نظام لا يضمن له الحد الأدنى من حقوقه الاقتصادية.
صلاحيات البلديات والأدوات القانونية
القانون اللبناني يوفّر إطاراً للتدخل عند الخطر الداهم. فـقانون البناء، ولا سيما المادة 18، يجيز للبلديات هدم الأبنية الآيلة للسقوط عند تعذّر قيام المالك بذلك، على أن تُسجَّل الكلفة ديناً ممتازاً على المالكين. هذه الأداة، رغم حساسيتها، تبقى الخيار القانوني الوحيد عندما تصبح السلامة العامة مهدَّدة.
المعالجة الاجتماعية: تدخل محدود ومحدّد
إلى جانب المعالجة القانونية والهندسية، يبرز بُعد اجتماعي تقني لا يمكن تجاهله. الحل الواقعي لا يقوم على تحمّل الدولة كلفة الترميم الشامل، بل على تدخل انتقالي يشمل:
• إجراء دراسة هندسية ودراسة اجتماعية لكل مبنى.
• دعم التدعيم في الأبنية القابلة للإصلاح بمساهمات محدودة.
• تأمين بدل إيواء مؤقت للعائلات المتضرّرة بقيمة تقارب 500 دولار شهرياً ولمدة زمنية محدّدة (سنة إلى سنتين).
• هدم الأبنية غير القابلة للإصلاح، مع إمكان رصد مساهمة لاحقة لمالكي العقارات ضمن برامج إعادة الإعمار.
من حيث الكلفة، تشير التقديرات إلى أن هذا النموذج يبقى ضمن أرقام محدودة نسبياً مقارنة بكلفة أي انهيار واسع أو خسائر بشرية.
معيار موحّد للعدالة المناطقية
في الوقت الذي تُرصد فيه أموال لإعادة إعمار مناطق تضرّرت بفعل الحروب أو الظروف القاهرة، يبرز مبدأ وحدة المعيار. فإذا كانت الحرب سبباً مشروعاً للتدخل في منطقة ما، فإن طرابلس، التي شكّلت بدورها ساحة صراع داخلي، يجب أن تُدرج ضمن المنطق نفسه، بعيداً عن الاعتبارات السياسية.
خلاصة
ملف الأبنية المتصدّعة في طرابلس هو قضية إدارة مخاطر قبل أن يكون قضية اجتماعية. المعالجة الفعّالة تفترض قرارات غير شعبوية، تطبيقاً صارماً للقانون، وتدخلاً اجتماعياً محدّداً زمنياً وكلفةً. أي تأخير إضافي يرفع مستوى الخطر ويضاعف الكلفة المستقبلية، فيما الحلول التقنية والقانونية متوافرة إذا توفّر القرار.
