
بقلم ندى جوني
في خطوة مفاجئة، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من منتدى دافوس الاقتصادي العالمي في سويسرا، عن تأسيس ” مجلس السلام “، الذي يضم 35 دولة، الذي يُفترض أن يهدف إلى فرض الاستقرار واستعادة الحوكمة في مناطق النزاع. ورغم أن المجلس يضع قطاع غزة في صلب اهتمامه المعلن، إلا أن مقاربته تثير تساؤلات جوهرية حول طبيعته وأهدافه الفعلية، إذ يبدو أقرب إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة الدولية وإدارة الصراعات، لا إلى مسار حقيقي لإنهاء الحروب وتحقيق السلام.
وفي سياق النزاعات في الشرق الأوسط، يبرز المجلس كإطار يعزز نفوذ إسرائيل ويكرّس مشروعها التوسعي، بدلا من أن يشكّل آلية ضغط أو مساءلة لسلوكها السياسي والعسكري.
وفي هذا الإطار، أجرى موقع “ديمقراطيا نيوز ” مقابلة مع المحلل الإستراتيجي سمير سكاف، الذي قدّم قراءة تحليلية معمّقة لمجلس السلام، وانعكاساته على موقع إسرائيل ودورها في المنطقة، وعلى مستقبل التوازنات في الشرق الأوسط.
مجلس السلام الأميركي: التشكيل والأهداف
يضمّ مجلس السلام 35 دولة وافقت على الإنضمام إليه، بعد إعلان الرئيس الأميركي ترامب عنه، والذي تعهد بقيادة مسار سياسي واقتصادي لإعادة إعمار قطاع غزة. ودخل المجلس حيّز التنفيذ بعد توقيع الولايات المتحدة والمغرب والبحرين على ميثاقه، فيما ضمّت الجلسة دولاً عربية وإقليمية ودولية، وسط غياب أوروبي لافت.
وفي موازاة ذلك، وجّه ترامب إنذارًا مباشرا لحركة حماس، منحها فيه مهلة ثلاثة أسابيع لنزع سلاحها، محذرا من ” التدمير الكامل” في حال عدم الامتثال، في خطوة تكرّس الطابع الضاغط للمبادرة الأميركية.
وعلى المستوى الاقتصادي، عرض جاريد كوشنر رؤية من ثلاث مراحل لمستقبل غزة، تبدأ بتوصيف آثار الحرب، ثم تثبيت وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات، وصولا إلى إعادة الإعمار والاستثمار وخلق فرص العمل، مع الإعلان عن مؤتمر دولي للمانحين في واشنطن.
ورغم تأكيد ترامب التنسيق مع الأمم المتحدة، أثارت المبادرة تساؤلات سياسية جوهرية، في ظل غياب أي إشارة إلى الدولة الفلسطينية أو التزامات إسرائيل بالانسحاب من القطاع، فضلا عن رمزية شعار المجلس الذي خلا من أي تمثيل جغرافي لفلسطين أو الشرق الأوسط.
سكاف: “مجلس السلام” محاولة لتكريس نفوذ ترامب خارج الرئاسة… والعالم أمام مسار خطير
يرى الباحث والمحلل السياسي سمير سكاف أن ما يجري في منتدى دافوس تحت عنوان “مجلس السلام” لا يمكن فصله عن طموحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإعادة تشكيل النظام الدولي وفق رؤية أحادية، تتجاوز موقعه كرئيس للولايات المتحدة إلى دور شخصي عابر للمؤسسات والدول. ويشير سكاف إلى أن فكرة “مجلس السلام” طُرحت في الأساس كإطار لإدارة ملف غزة ووقف الحرب وإعادة الإعمار، إلا أنّ ترامب سرعان ما نقلها إلى مسار آخر، محوّلاً إياها إلى أداة سياسية تهدف إلى تهميش مجلس الأمن ومؤسسات الأمم المتحدة، ومحاولة تأسيس ما يشبه “حكومة كونية” يتحكم بها شخصياً، حتى بعد انتهاء ولايته الرئاسية.
تكمن الخطورة الأساسية وفق سكاف، في ميثاق المجلس الذي منح ترامب رئاسة المجلس بصفته الشخصية، لا بصفته رئيساً للولايات المتحدة، ما يفتح الباب أمام استمرارية نفوذه الدولي خارج الأطر الدستورية الأميركية.
ويضيف أن اشتراط دفع مليار دولار سنوياً للحصول على العضوية الدائمة يعكس توجهاً واضحاً لتحويل المجلس إلى نادي نفوذ سياسي مالي، أكثر منه هيئة سلام دولية.
ويأتي إطلاق المجلس، بحسب سكاف، في لحظة تشهد تصاعداً في الخلافات بين الولايات المتحدة وأوروبا، وهو ما ظهر بوضوح في مواقف فرنسا وبريطانيا ودول الشمال الأوروبي. حتى لندن، الحليف الأقرب تقليدياً إلى واشنطن، امتنعت عن التوقيع، في مؤشر إضافي على عمق التباينات داخل المعسكر الغربي.
ويرى سكاف أن هذا التوتر يفسر جزئياً محاولات ترامب الإلتفاف على المؤسسات الدولية التقليدية، والبحث عن أطر بديلة أقل التزاماً بالقواعد المتعددة الأطراف.
في ما يخص تأثير المجلس على منطقة الشرق الأوسط، يؤكد سكاف أن “مجلس السلام” يندرج ضمن سياسة أميركية أوسع تهدف إلى ممارسة ضغط متزايد على الدول العربية، ولا سيما السعودية، لدفعها نحو توقيع الإتفاقيات الإبراهيمية. غير أن العقبة الأساسية، وفق رأيه، تبقى إصرار هذه الدول على ربط أي تطبيع بالاعتراف بدولة فلسطينية، وهو ما قد يلجأ ترامب إلى استخدامه كورقة تفاوض لاحقاً.
يشدّد سكاف على أن ما يجري في لبنان لا يرتبط مباشرة بـ”مجلس السلام”، بل بالسياسة الأميركية العامة في المنطقة، التي تتسم بالأحادية وتراجع دور الشركاء الأوروبيين، وخصوصاً فرنسا.
ويرى أن تقليص الدور الفرنسي في لجنة الميكانيزم يندرج في هذا السياق، فيما يخضع لبنان عملياً لشروط “الشرق الأوسط الجديد” الذي بدأت ملامحه تتضح بعد 7 تشرين الأول 2023، وتسارع بعد الحرب الأخيرة على حزب الله وسقوط نظام الأسد وتراجع الحضور العسكري الروسي.
ويضيف أن لبنان يعيش اليوم تحت مظلة أمنية إسرائيلية، تتيح لإسرائيل هامش تحرك واسع رغم اتفاق وقف إطلاق النار، مع ازدياد الضغوط غير المباشرة لدفعه نحو مسار التطبيع. أما الملف الأهم بالنسبة لترامب في المنطقة، بحسب سكاف فهو الإتفاق النووي بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران مستبعداً بدوره أن يتم التوصل إلى اتفاق نووي جديد، مرجحاً أن تتجه الولايات المتحدة نحو سياسة تهدف إلى إسقاط النظام الإيراني، وهو ما ستكون له تداعيات مباشرة على لبنان والمنطقة ككل.
يخلص سكاف إلى أن “مجلس السلام” قد يسرّع بعض التحولات في الشرق الأوسط والعالم، لكنه ليس العامل الوحيد المؤثر. فالمسار الأخطر، برأيه، هو تكريس سياسة أميركية أحادية تسعى إلى إعادة رسم التوازنات الدولية، ما ينذر بمزيد من الإضطراب وعدم الإستقرار خلال السنوات المتبقية من ولاية ترامب.
