لبنان أمام التحوّلات الدولية الكبرى: هل ينجو من العاصفة؟

تتسارع التغيّرات السياسية والميدانية على امتداد العالم، من أميركا اللاتينية مروراً بالشرق الأوسط ووصولاً إلى أوروبا الشرقية، في مشهد يُنذر بانهيار النظام الدولي الذي حكم العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فالنهج الأميركي الترامبي القائم على منطق القوة والصفقات فرض واقعاً جديداً، أطاح بمفاهيم القانون الدولي، وأضعف دور المؤسسات الأممية، فاتحاً الطريق أمام نظام عالمي تحكمه موازين القوى لا المبادئ والمواثيق. ووسط هذه التحولات الجذرية، يجد لبنان نفسه مكشوفاً وهشّاً من دون أي مظلة أمان حقيقية.

خطورة الوضع اللبناني لا تكمن فقط في التهديدات الخارجية، بل أيضاً في استمرار بعض القوى السياسية في التصرف وكأن شيئاً لم يتغيّر، متجاهلة التحولات الدولية الكبرى. هذا الإنكار يشكّل خطراً وجودياً لأنه يمنع أي محاولة جادّة لحماية الداخل ويقحم البلاد في حسابات خارجية مكلفة، فيما الشعب اللبناني وحده يتحمّل النتائج، كما حدث في الحرب الأخيرة.

لبنان المنهك اقتصادياً والمفكك مؤسساتياً والمثقل بالأزمات الاجتماعية، لا يحتمل صدمات جديدة. فأي خطأ في التقدير أو رهان على محاور خارجية متنازعة قد يدفعه إلى قلب الصراع الدولي ويحوّله مجدداً إلى ورقة تفاوض بيد الآخرين. من يظن أن لبنان قادر على مجابهة القوى الكبرى يغامر بمصير وطن لا يملك عناصر الصمود.

التعامل مع هذه المرحلة الدقيقة يبدأ بالاعتراف بالواقع لا بالشعارات، ويستوجب إعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها، وضبط الفوضى السياسية والأمنية، وتبني سياسة خارجية متزنة تحمي المصلحة الوطنية. كما يتطلب خطاباً سياسياً صادقاً ومسؤولاً يصارح اللبنانيين بالمخاطر بدل التلاعب بالمشاعر عبر شعارات وهمية.

في زمن التحولات الكبرى، ليس مطلوباً من لبنان أن يخوض معارك الآخرين، بل أن يتجنّب السقوط في فخّها. فسياسة الإنكار لم تعد مجرّد خطأ، بل مقامرة تهدد وجود الدولة نفسها. المرحلة الحالية لا تحتمل المكابرة، لأن ثمن الخطأ هذه المرة قد يكون الكيان اللبناني بأكمله.

المصدر: صلاح سلام – اللواء

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top