الصفقة القادمة تحت ضغط التهويل: قراءة في التصعيد الأميركي- الإيراني

بقلم رفيق عبدالله- ديمقراطيا نيوز

«القاعدة الذهبية في الجيوبوليتيك: كل حرب تبدأ بالتهويل، لكن ليس كل التهويل ينتهي بحرب». بهذه العبارة يمكن مقاربة التصعيد الأميركي–الإيراني الراهن بوصفه ظاهرة سياسية–عسكرية مركّبة، لا مجرد مقدّمة آلية لضربة وشيكة. فالحشد العسكري الأميركي المعلن في المنطقة، والتصعيد الإعلامي عالي السقف، يقابلهما في الوقت نفسه استمرار قنوات تواصل غير مباشرة ووساطات إقليمية ودولية، ما يفرض قراءة أبعد من الانطباع الأولي الذي تميل إليه وسائل الإعلام.

السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يُطرح ليس ما إذا كانت الحرب قادمة أم لا، بل: لماذا يجري هذا التصعيد الآن؟ وما هو الهدف الحقيقي من التفاوض؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تسمح بتحديد ما إذا كنا أمام تهويل تفاوضي محسوب، أم أمام انتقال فعلي نحو استخدام القوة.

في السياق الأميركي، لا يبدو التفاوض غاية بحد ذاته، بل أداة لإعادة صياغة معادلة الردع مع إيران بأقل كلفة ممكنة. الخطاب العلني يركّز على منع إيران من امتلاك سلاح نووي، لكن هذا العنوان يخفي خلفه حزمة أوسع من الأهداف الاستراتيجية. فواشنطن لا تنظر إلى الملف النووي بمعزل عن البرنامج الصاروخي الإيراني ولا عن شبكة النفوذ الإقليمي التي بنتها طهران خلال العقدين الماضيين. من هذا المنظور، التفاوض المطلوب أميركيًا هو تفاوض يعيد إيران إلى موقع أقل قدرة على التهديد، سواء عبر تقييد برنامجها النووي برقابة صارمة، أو عبر إبطاء وتقييد تطوير قدراتها الصاروخية، أو عبر تقليص دور وكلائها في الإقليم.

هذا البعد الأخير – أي شبكة الوكلاء – يشكّل عنصرًا مركزيًا في الحسابات الأميركية، حتى وإن لم يُعلن دائمًا بوصفه شرطًا تفاوضيًا مباشرًا. فواشنطن ترى أن قدرة إيران على التأثير في أمن الملاحة والطاقة، وعلى تهديد حلفائها من دون الدخول في مواجهة مباشرة، تستند أساسًا إلى هذه الشبكة. وبالتالي، فإن أي اتفاق لا ينعكس تراجعًا ملموسًا في هذا الدور يُعدّ، من وجهة النظر الأميركية، اتفاقًا ناقصًا أو هشًا.

أما إسرائيل، فتتعامل مع إيران باعتبارها التهديد البنيوي الأعمق لأمنها القومي. لذلك، فهي لا تكتفي بمطلب منع امتلاك سلاح نووي، بل تدفع باتجاه مقاربة أشمل تقوم على تحييد مصادر القوة الإيرانية كافة. في الحساب الإسرائيلي، النووي ليس سوى مظلّة محتملة تحمي شبكة الوكلاء وتمنحها جرأة أكبر، بينما الصواريخ الباليستية تشكّل وسيلة إيصال هذا التهديد حتى في غياب السلاح النووي. من هنا، الإصرار الإسرائيلي على أن أي مسار تفاوضي يجب أن يكون أوسع من مجرد العودة إلى قيود نووية تقنية، وأن يترافق مع ضمانات تحقق صارمة ومع قيود على الصواريخ وعلى التموضع الإقليمي.

في المقابل، تنطلق إيران في مقاربتها للتفاوض من منطق مختلف جذريًا. فطهران ترى في التفاوض وسيلة لتخفيف الضغط الاقتصادي الخانق، والحصول على متنفس داخلي يسمح لها بإدارة أزماتها الاجتماعية والمالية، لكنها في الوقت نفسه تخشى أن يتحول التفاوض إلى مدخل لتفكيك عقيدتها الردعية. لذلك ترفض علنًا التفاوض “تحت التهديد”، وتتمسك بفكرة أن أي حوار يجب أن يقوم على الندية والاعتراف المتبادل، لا على الإكراه العسكري.

الملف النووي بالنسبة لإيران هو ورقة قوة تفاوضية بقدر ما هو برنامج تقني. والبرنامج الصاروخي يُنظر إليه بوصفه عنصرًا غير قابل للمساومة لأنه يشكّل، في غياب سلاح جوي متطور، العمود الفقري لقدرتها الدفاعية. أما شبكة الوكلاء، فهي ليست مجرد أدوات نفوذ سياسي، بل جزء من منظومة ردع غير مباشرة صُممت لرفع كلفة أي هجوم محتمل على إيران. من هنا، فإن المطالبة بقطع العلاقة مع هذه الشبكة تعني، من وجهة نظر طهران، تفكيك جوهر الردع لا تعديل سلوك هامشي.

إلى جانب ذلك، لا يمكن فصل الموقف الإيراني عن اعتبارات الداخل. فالنظام يواجه منذ سنوات تحديات اقتصادية واجتماعية حادة، ويخشى أن يُقرأ أي تنازل كبير في الخارج على أنه ضعف في الداخل. وفي الوقت نفسه، يدرك أن استمرار العقوبات من دون أفق سياسي يحمل مخاطر تآكل طويلة المدى. هذا التناقض يجعل إيران تميل إلى سياسة حافة الهاوية: رفع سقف الرفض العلني، مع الإبقاء على قنوات خلفية مفتوحة.

ضمن هذا المشهد، يبرز هدف أميركي–إسرائيلي غير معلن بالكامل لكنه حاضر في كثير من التحليلات، يتمثل في إعادة توجيه إيران استراتيجيًا على المدى الطويل. فإضعاف ارتباطها بمحور روسيا– الصين، وفتح نافذة لانفتاح تدريجي على الغرب، يُنظر إليه في بعض الدوائر الغربية كاستثمار بعيد الأمد. غير أن هذا الهدف يُدار عادة بحذر شديد، لأن تحويله إلى شرط صريح يدفع إيران إلى اعتبار التفاوض غطاءً لتغيير النظام، ما يؤدي إلى نتيجة عكسية تمامًا.

أما ما يتصل بإعطاء مساحة أكبر للتيارات الإصلاحية داخل إيران، فهو هدف يُنظر إليه بوصفه نتيجة محتملة لأي انفتاح اقتصادي وسياسي، لا شرطًا تفاوضيًا مباشرًا. فالخبرة الغربية تشير إلى أن محاولة هندسة التحولات الداخلية من الخارج غالبًا ما تعزز خطاب التشدد بدل أن تضعفه.

في ضوء هذه المعادلات، يصبح السؤال: هل ما نشهده اليوم أقرب إلى تهويل تفاوضي أم إلى تمهيد فعلي لضربة عسكرية؟ المؤشرات تميل إلى الاحتمال الأول، لكن مع هامش خطورة مرتفع. فاستمرار الوساطات، واعتراف طهران بوجود مشاورات غير مباشرة، وغياب حماسة إقليمية – خصوصًا خليجية – لأي مواجهة واسعة، كلها عوامل ترجّح أن الحشد العسكري يُستخدم كرافعة ضغط لا كقرار حرب نهائي. في المقابل، فإن رفع مستوى التهديد العلني ونقل أصول عسكرية نوعية إلى المنطقة يهدفان إلى إعطاء هذا الضغط مصداقية حقيقية، بحيث لا يبدو التهديد فارغًا.

السيناريو الأكثر ترجيحًا، في هذه المرحلة، هو محاولة فرض “تفاوض تحت تهديد” يهدف إلى انتزاع تنازلات أكبر مما يمكن تحقيقه عبر الدبلوماسية التقليدية. لكن هذا المسار ليس خاليًا من المخاطر. فالتاريخ يُظهر أن البيئات المشحونة عسكريًا وسياسيًا تكون عرضة للأخطاء وسوء التقدير، وأن حادثًا محدودًا أو هجومًا بالوكالة قد يشعل سلسلة ردود فعل تتجاوز نيات الأطراف الأصلية.

إذا وصلت الأمور إلى استخدام القوة، فمن المرجح أن يكون ذلك في إطار ضربة محدودة ومضبوطة، لا حرب شاملة. هدف مثل هذه الضربة، إن حصلت، سيكون إعادة ترميم الردع وخلق صدمة تفاوضية تدفع إيران إلى إعادة حساباتها، لا الدخول في مواجهة مفتوحة ذات كلفة إقليمية ودولية عالية. غير أن نجاح هذا الخيار غير مضمون، إذ قد يؤدي إلى تصعيد غير مباشر عبر الوكلاء، أو إلى توسيع دائرة الاشتباك على نحو يصعب احتواؤه.

في المحصلة، التصعيد الأميركي– الإيراني الراهن يعكس صراعًا على شكل النظام الإقليمي أكثر مما يعكس اندفاعًا تلقائيًا نحو الحرب. التهويل هنا أداة مركزية في إدارة التفاوض، لكنه أداة ذات حدين. فطالما بقيت قنوات الوساطة مفتوحة، وظلّت كلفة الحرب أعلى من كلفة التنازل المتبادل، يبقى احتمال الاتفاق – ولو المؤقت أو الجزئي – قائمًا. أما إذا أُغلقت هذه القنوات، أو فُرضت معادلة صفرية على أحد الأطراف، فإن التهويل قد يتحول من أداة ضغط إلى مقدّمة فعلية لانفجار عسكري.

وهنا تعود القاعدة الذهبية لتفرض نفسها مجددًا: كل حرب تبدأ بالتهويل، لكن ليس كل التهويل ينتهي بحرب. ما إذا كان هذا التهويل سيفضي إلى اتفاق جديد يعيد رسم حدود القوة في الإقليم، أم إلى ضربة تعيد الجميع إلى نقطة أكثر خطورة، سيُحسم ليس فقط بحجم الحشود، بل بقدرة الأطراف على تحويل الضغط إلى تسوية قبل أن يتحول الضغط نفسه إلى عبء لا يمكن احتواؤه.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top