لبنان بين نيران التصعيد الإقليمي وكلفة الانهيار الداخلي

يأتي التصعيد العسكري الإسرائيلي المستمر، وتكثيف الغارات على مناطق الجنوب والبقاع، في سياق إقليمي شديد الحساسية، يصعب فصله عن أجواء المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران. فالمشهد الميداني يعكس تحركاً إسرائيلياً متناغماً مع إيقاع “المعركة الكبرى”، عبر تنفيذ ضربات استباقية تستهدف البنية العسكرية لحزب الله، في محاولة لإضعاف قدرته على التدخل في أي مواجهة محتملة إلى جانب طهران، كما أشار أمينه العام الشيخ نعيم قاسم.

هذا التصعيد لا يبدو مجرد خطوة تكتيكية محدودة، بل جزءاً من استراتيجية أوسع تتجاوز حدود لبنان لتطال حسابات إقليمية ودولية معقدة.

وتتجلّى خطورة المشهد في دلالاته السياسية والعسكرية، خصوصاً في ضوء تحذير المرشد الإيراني علي خامنئي من أن أي حرب على إيران ستتحول إلى حرب إقليمية شاملة، ما ينذر بتوسّع ساحات المواجهة وتشابك الجبهات، ويجعل لبنان، الضعيف والمثقل بالأزمات، من أكثر الدول عرضةً للاشتعال.

أي انخراط لحزب الله في هذه الحرب سيحمل انعكاسات مباشرة على الداخل اللبناني، الذي يعاني أصلاً من أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة. فلبنان، المنهك والمفكك، لا يملك ترف الدخول في حرب جديدة قد تطيح بما تبقّى من استقراره الهش. إذ إن أي تصعيد واسع سيعيد البلاد إلى دوامة الانهيار والدمار، في وقت لم تلتئم فيه بعد جراح الحروب السابقة.

اجتماعياً، سيؤدي أي تفجر أمني إلى نزوح داخلي واسع، وشلل اقتصادي تام، وانهيار في الخدمات الأساسية، ما يفاقم معاناة اللبنانيين الذين يعيش معظمهم تحت خط الفقر. وعلى المستوى الاقتصادي، فإن توسّع رقعة المواجهة سيقضي على ما تبقّى من الثقة والدعم الدولي، ويعيد لبنان سنوات إلى الوراء.

إقليمياً، قد تفضي هذه التطورات إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط، وتحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الكبرى، حيث يغدو لبنان ساحةً لا لاعباً، ووقوداً لا شريكاً في القرار.

يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع لبنان تحمّل كلفة التورط في حرب إقليمية مفتوحة؟ أم أن الثمن سيكون انهياراً شاملاً لما تبقّى من الدولة والمجتمع؟

في ظل هذا المشهد القاتم، تبرز الحاجة الملحّة إلى تحصين الجبهة الداخلية، لأن كلفة الحرب هذه المرة قد تكون وجودية بكل معنى الكلمة.

المصدر: صلاح سلام – جريدة اللواء

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top