طرابلس تحت الأنقاض: انهيار المباني يزهق أرواح السكان… وإهمال الدولة يحوّل المدينة إلى مأساة يومية ما زالت تتكرر منذ عقود

بقلم ندى جوني

في أقل من أسبوعين، تجددت الكارثة في طرابلس بعد انهيار مبنى سكني في شارع سوريا يوم 8 شباط 2026، ما أسفر عن وفاة نحو 14 شخصاً ، ليعيد إلى المدينة مشهداً مأساوياً يعرفه أهلها جيدًا: المباني المتداعية، الجدران المثقوبة بالرصاص، الشرفات المتآكلة، وسكان يعيشون بين الخوف واليأس. تكشف هذه الانهيارات المتتابعة وجهًا آخر للعنف، لا يقل خطورة عن الاشتباكات المسلحة التي شهدها شارع سوريا على فترات. وقد شهد هذا الشارع على عقود من الصراعات والعنف الدموي، حيث تحمل مبانيه آثار التصدّع التي لم ترَ الترميم منذ عقود.

في أوائل القرن العشرين، كان الشارع من أكثر شوارع المدينة حيوية وازدهارًا، لكن سنوات طويلة من الاشتباكات المحلية، خاصة منذ 2008، أدت إلى تدهور الوضع العمراني والاجتماعي للحي. تصاعد العنف بين عامي 2011 و2015 على خلفية الحرب السورية، ما حوّل الشارع إلى منطقة خطر دائم على السكان.

اليوم، قليل من المباني صمد أمام سنوات العنف، في حين أن معظم الأبنية مهددة بالانهيار أو متصدعة، ما يعكس غياب الدولة والإهمال المزمن.

كما يواجه السكان واقعاً مريراً من الفقر والخطر الذي يدخل في تفاصيل حياتهم اليومية. فالمدينة التي تعتبر من أهم المدن وأكثرها استراتيجية في الشرق الأوسط، تحولت اليوم إلى بؤرة من المأساة والشاهد الأبرز للتحولات الكارثية التي مرّت على لبنان منذ سنوات طويلة

طرابلس في الثمانينات: الإنهيار الأمني والإجتماعي

شهدت طرابلس خلال ثمانينات القرن العشرين فترة عصيبة، حيث تحولت المدينة إلى ساحة صراع أهلي وإقليمي ضمن الحرب اللبنانية. اندلعت معارك كبرى بين الفصائل الفلسطينية الموالية لسوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات في أواخر 1983، ما أسفر عن سقوط العديد من الضحايا المدنيين وتدمير البنية التحتية، خاصة في أحياء جبل محسن وباب التبانة. تزامن هذا الانهيار الأمني مع صعود المجموعات الإسلامية والراديكالية، ما دفع خصومها لوصم المدينة بأنها حاضنة للتطرف، بينما أصبحت طرابلس نقطة محورية للمعارضة للسلطة المركزية، تتحكم فيها القوى المسلحة المحلية وتواجه صعوبات كبيرة في تقديم الخدمات الأساسية للسكان.

على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، تراجع دور المدينة التجاري والتنموي، وتعمّق الفقر في الأحياء الشعبية بعد فقدان الكثير من السكان وظائفهم وإغلاق الأسواق والمصانع. وازدادت هشاشة المجتمع بفعل الصراعات المسلحة وغياب الدولة، بينما أصبح الوجود الفلسطيني والسوري على الأرض عاملاً إضافيًا في تعقيد الأوضاع، ما أدى إلى استنزاف النسيج الاجتماعي والمدني للمدينة ووضع الأساس للتحديات التي ما تزال تواجهه طرابلس حتى اليوم، بما في ذلك الإهمال العمراني والمباني المتداعية التي تُذكر دائمًا في شارع سوريا.

شارع سوريا: من أكثر الشوارع ازدهاراً إلى رمز الإهمال

اعتبر شارع سوريا في طرابلس في أوائل القرن العشرين من أكثر الشوارع حيوية وازدهاراً. إلاّ أن السنوات الطويلة من الصراعات المحلية والإقليمية حولت الشارع إلى صورة مصغرة لمعاناة طرابلس. منذ عام 2008، شهد الحي اشتباكات متقطعة بين الميليشيات المحلية، ثم تصاعدت حدّة العنف بين عامي 2011 و2015 على خلفية الحرب السورية، ما جعل المنطقة غير آمنة وأثر على حياة السكان اليومية. إذ، يعكس غياب الدولة عن الرقابة على الأبنية والإهمال المزمن في الصيانة الأزمة الأكبر في طرابلس، حيث تترافق مشاكل الأبنية مع مشكلات أساسية أخرى مثل انقطاع الكهرباء المتكرر، المياه غير النظيفة، وتراكم النفايات في الشوارع. البنية التحتية المهترئة لم تعد قادرة على حماية السكان، الذين يعيشون يوميًا بين الخوف واليأس من الانهيارات المفاجئة.

في موازاة ذلك، يظهر انهيار المبنى الأخير في شارع سوريا الوجه الأخطر للمدينة: ما يحدث ليس فقط نتيجة الحروب أو الإشتباكات السابقة، بل هو نتاج إهمال طويل الأمد وفشل الدولة في وضع سياسات واضحة لصيانة الأبنية القديمة وحماية المواطنين.

مآسي طرابلس المستمرة منذ عقود

شهدت طرابلس في العقد الأخير سلسلة متواصلة من الأزمات الإنسانية والاجتماعية التي عمّقت هشاشة المدينة وانعكست على سكانها بشكل مباشر. فقد تركت جولات العنف والتوترات الأمنية التي شهدتها بين 2014 و2015 آثاراً مدمّرة، إذ تحولت أحياء كاملة إلى خراب، وبقيت آلاف المباني مهدمة دون أي ترميم، ما زاد شعور المواطنين بانعدام الأمان. وتضاعفت هذه المآسي مع حادثة غرق “مركب الموت” في نيسان 2022، التي أودت بحياة عشرات المهاجرين بينهم أطفال ونساء، وكشفت عن غياب أي خطط طوارئ أو جاهزية للمرافق العامة للتعامل مع الأزمات الإنسانية. إلى جانب العنف، عانى السكان من انهيار معيشي حاد، إذ تفاقم الفقر وتدهورت الأسواق التاريخية، وارتفعت معدلات الجوع والسرقة، بينما تراجعت الأنشطة الاقتصادية الحيوية التي كانت تشكّل هوية المدينة. تراكم النفايات ومخاطر التلوث البيئي استمر لعقود دون معالجة فعلية، ما شكل تهديداً صحياً مستمراً، خاصة في الأحياء الفقيرة والمكتظة.

في المقابل، تعطلت العديد من المرافق الحيوية، مثل محطة الصرف الصحي، ومصفاة النفط، والمنطقة الاقتصادية الخاصة، ما أضاع آلاف فرص العمل وأفشل إمكانات المدينة الاقتصادية.
وأدى التهميش السياسي والتعطيل المستمر لمؤسسات استراتيجية مثل المرفأ، والمعرض الدولي، إلى إضعاف الدور الاقتصادي لطرابلس واستنزاف مواردها، وجعلها عاجزة عن مواجهة الأزمات وتحقيق التنمية المستدامة.

وقد شهدت المدينة مشاريع ضخمة لكنها مهملة، مثل معرض رشيد كرامي الدولي المصمم من قبل أوسكار نيماير، الذي رغم كونه تحفة معمارية حديثة لم يتمّ استغلاله تجارياً أو سياحياً، ومصفاة نفط طرابلس التي توقفت عن العمل منذ عقود، وفقدت آلاف فرص العمل، والمنطقة الاقتصادية الخاصة الخاوية، وغياب الفنادق الكبرى.

كما تعاني الأسواق التاريخية والخانات من الإهمال، فيما المباني الأثرية والمدارس التاريخية مهددة بالانهيار، ومعمل معالجة النفايات ومحطة الصرف الصحي يعكّران جودة الحياة بشكل مستمر. كل هذه العوامل مجتمعة تعكس مأساة مستمرة لطرابلس، حيث تراكم الإهمال السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، جعل المدينة عاجزة عن استثمار إمكاناتها التاريخية والثقافية، وتحويلها إلى مركز حيوي قادر على حماية سكانها وتحقيق تنمية حقيقية.

تشهد اليوم طرابلس واحدة من أبشع الكوارث، حيث أصبح الموت أسهل ما يواجه السكان في ظل غياب الدولة ورجال الأعمال الذين لم يعيروا أي اهتمام لمدينتهم إلا خلال الإنتخابات. ويبقى السؤال اليوم: متى ستتحرك الدولة فعليًا لحماية أهل طرابلس، ومتى سيدرك السياسيون وأصحاب النفوذ أن المدينة ليست مجرد صندوق أصوات، بل حياة يومية لمئات الآلاف من المواطنين؟ حتى الآن، تحولت المباني المتداعية إلى رمز للرعب المستمر والموت الذي لا يتوقف، بينما الإهمال المؤسسي والغياب شبه التام للدولة يترك المدينة رهينة للخراب والفقر. طرابلس اليوم بحاجة إلى إرادة حقيقية ومسؤولية فعلية لإعادة بناء ما تهدم، وحماية سكانها من هذه المأساة الإنسانية.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top