من يزرع الشك بين الرياض والحريري؟

بقلم رفيق عبدالله- ديمقراطيا نيوز

يشكّل مفهوم Tertius Gaudens، أو “الطرف الثالث المستفيد”، إطاراً تفسيرياً حاسماً لفهم ما يجري في لحظات إعادة التموضع السياسي داخل الأنظمة المنقسمة. هذا المفهوم الذي صاغه جورج زيمل يقوم على معادلة بسيطة: حين ينشغل طرفان في قطيعة أو توتر، يظهر طرف ثالث لا ليصلح بينهما، بل ليستثمر في المسافة الفاصلة بينهما ويحوّلها إلى مصدر نفوذ. هو لا يعيش على إنهاء الخلاف، بل على إدارته وتغذيته وإعادة توجيهه.

في الحالة اللبنانية، تتجسد هذه الاستراتيجية بوضوح في العلاقة بين تيار المستقبل والمملكة العربية السعودية، خصوصاً مع عودة سعد الحريري إلى واجهة العمل السياسي. عودة الحريري لا تعني فقط استعادة زعامة، بل إعادة تشكيل التوازن داخل الساحة السنية، وإعادة وصل ما انقطع إقليمياً. وهذا بحد ذاته يهدد مصالح قوى بنت نفوذها خلال فترة الغياب والقطيعة.

من هنا، يصبح الإيحاء بعدم رضا سعودي أداة مركزية في المعركة. الرسالة لا تحتاج إلى بيان رسمي؛ يكفي أن تُمرر عبر منصة إعلامية سعودية مثل قناة الحدث، لتكتسب صفة ضمنية: “المصدر موثوق”. هذه الصفة بحد ذاتها تصنع الأثر. في السياسة، الشرعية الرمزية للمصدر تعادل أحياناً مضمون الرسالة. حين تصدر مادة سلبية من وسيلة مرتبطة بدولة راعية تاريخياً، يتحول الخبر إلى إشارة سياسية تتجاوز محتواه.

هذا الاستخدام ليس عفوياً. اختيار منصة سعودية تحديداً يحقق ثلاثة أهداف مترابطة. أولاً، يمنح الرسالة غطاءً رمزياً يوحي بأنها تعبير عن موقف دولة، حتى لو لم يصدر أي تصريح رسمي. ثانياً، يضاعف التأثير النفسي على جمهور تيار المستقبل، المرتبط تاريخياً وسياسياً وعاطفياً بالرياض. العلاقة هنا ليست تقنية بل وجدانية أيضاً، ما يجعل أي إشارة سلبية تحمل وقعاً مضاعفاً. ثالثاً، يخلق ارتباكاً داخل البيئة الحليفة؛ فالقوى التي تفكر في التحالف مع تيار المستقبل تعيد حساباتها إذا شعرت أن الغطاء الإقليمي غير متوافر.

بهذه الآلية، يتحول الإعلام إلى أداة لإدارة الإدراك السياسي. الهدف ليس إقناع الرأي العام بحقيقة معينة، بل زرع الشك في اللحظة الحساسة. الشك يكفي لتعطيل إعادة تموضع من الحلفاء. في نظام توافقي كلبنان، التحالفات تقوم على توازنات دقيقة، وأي إشارة إقليمية تدخل مباشرة في حسابات القوى المحلية.

المجموعة التي تتحرك ضمن هذا المنطق ليست بالضرورة كتلة واحدة متجانسة، بل تقاطع مصالح بين أطراف متناحرة في ملفات أخرى، لكنها تلتقي عند هدف واحد: منع عودة المياه إلى مجاريها بين الحريري والسعودية. هناك قوى سنية استفادت من فراغ القيادة، وأخرى أعادت توزيع النفوذ داخل الطائفة، وجهات لبنانية بنت سرديتها السياسية على فكرة انتهاء مرحلة الحريري. عودته تقلب هذه المعادلة رأساً على عقب.

إلى جانب الداخل، يظهر البعد الإقليمي. أي تقارب جديد بين الرياض والحريري يعيد ترجيح الكفة داخل الساحة السنية ويقلّص هامش تأثير قوى أخرى. لذلك، فإن تعطيل هذا التقارب يصبح أولوية استراتيجية لبعض العواصم. استخدام منصة إعلامية سعودية في هذا السياق يحقق مفارقة ذكية: ضرب العلاقة من داخل رمزها، عبر توظيف اسمها الإعلامي لإنتاج إيحاء معاكس.

العامل الحاسم هنا هو هامش الحركة داخل المؤسسات الإعلامية. في ظل عدم انخراط سعودي مباشر أو اهتمام يومي بالملف اللبناني، تتسع المساحة أمام اجتهادات صحفية أو تسريبات مدروسة. هذا الهامش يتحول إلى نافذة تستثمرها الأطراف الثالثة. اما الصمت الرسمي السعودي، فيُستخدم كمساحة رمادية لتكريس الانطباع.

الاستراتيجية تعتمد بالكامل على إدارة رد الفعل. Tertius Gaudens لا يربح من نشر خبر فحسب، بل من التفاعل الذي يولده. إذا اعتبر جمهور التيار أن الرسالة سعودية فعلاً، تتعمق القطيعة النفسية. إذا تردد الحلفاء في الانخراط بتحالفات، يتحقق الهدف السياسي. وإذا انشغل التيار بالدفاع عن شرعيته الإقليمية بدل بناء مشروعه الداخلي، يكون الطرف الثالث قد نجح في تحويل مسار المعركة.

في جوهرها، هذه ليست معركة أخبار بل معركة شرعية. من يملك القدرة على الإيحاء بامتلاك الغطاء الإقليمي، يملك ورقة ضغط كبرى. لذلك يُستخدم الإعلام كأداة لتوليد “إشارات” محسوبة بدقة، لا لإعلان مواقف صريحة. السياسة هنا تتحرك في المنطقة الرمادية بين الصمت والتصريح، حيث تُصنع الانطباعات التي تعيد رسم الاصطفافات.

هكذا تعمل استراتيجية الطرف الثالث المستفيد: الأولوية بعدم السماح بإصلاح الجسر. ليبقى معلقاً في حالة اهتزاز دائم. في هذا الاهتزاز يعيش نفوذها، وتُدار لعبة التوازنات. عودة الحريري تهدد هذا التوازن الهجين، لذلك يصبح التشويش على علاقته بالسعودية أداة دفاع أساسية بيد من تضرروا من غيابه، أو يخشون عودته. إنها سياسة الاستثمار في القطيعة، حيث تتحول الإشاعة إلى سلاح، والانطباع إلى أداة، والصمت إلى رسالة.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top