
بقلم ندى جوني
لم تكن حشود 14 شباط 2026 في ساحة الشهداء هذه المرّة مجرد استعادة لذكرى اغتيال الشهيد الرئيس رفيق الحريري، بل رسمت في مشهديتها خارطة طريق جديدة، بعد سنوات من الإعتكاف. من خلال عبارة الشيخ سعد الحريري في خطابه: ” قولوا لي متى ستجري الإنتخابات، وسأقول لكم ماذا سيفعل تيار المستقبل “. وهي التي أتت كإعلان صريح عن انتهاء مفاعيل قرار تعليق العمل السياسي والعودة إلى حلبة التوازنات الوطنية والمحلية من بابها العريض.
في المقابل، يأتي هذا الخطاب في ظروف استنثائية يمرّ بها لبنان، حيث تقف البلاد على اعتاب استحقاق نيابي من جهة، وتراجع في نفوذ قوى الممانعة بعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024.
يمكن فهم هذه المشهدية، على أنها إعادة تموضع جديد ل”تيار المستقبل” الذي يعكس الحاجة لإعادة الإنتماء بعد سنوات من الإرباك والفراغ، كما أن لحظة الوقوف أمام الضريح أكدت أن العودة هي امتداداً لمسارًا سياسيًا
ما زال مستمراً.
رولا الطبش: الانتخابات بوابة العودة… وخطاب سيادي يواكب التحوّلات
ترى النائب السابقة المحامية رولا الطبش أنّ خطاب سعد الحريري شكّل إعلاناً واضحاً لإطلاق العودة إلى الحياة السياسية، بعدما ربط هذه العودة مباشرة بالإستحقاق الدستوري المنتظر. وبحسب قراءتها، فإن الإنتخابات النيابية ستكون المدخل الطبيعي لعودة الحريري بشرعية شعبية متجددة، لم تتراجع رغم مرور 21 عاماً على اغتيال رفيق الحريري.
وتعتبر الطبش أنّ هذه العودة ستؤدي إلى إعادة لملمة الساحة السنية، في ظل عجز أي طرف عن ملء الفراغ الذي خلّفه غياب الحريري خلال فترة الاعتكاف.
وتشير إلى أنّه يدرك بدقة التوازنات الإقليمية وحساسيتها، ويتعامل معها بحسابات دقيقة، إلا أنّ حجم الفراغ الداخلي، وتشتّت المرجعية السنية، إضافة إلى التحولات الإقليمية، كلها عوامل تجعل من عودته حاجة سياسية ملحّة في هذه المرحلة.
وفي قراءتها لمضمون الخطاب، تؤكد الطبش أنّه جاء سيادياً واضحاً، بعيداً عن منطق التحدي أو الصدام، ومتوازناً في مقاربته للمتغيرات التي شهدها لبنان والمنطقة.
وتلفت إلى أنّ الرسائل التي تضمّنها دولة واحدة، دستور واحد، وسلاح تحت إمرة الدولة ليست شعارات ظرفية، بل ثوابت تعبّر عن رؤية وطنية جامعة، إلى جانب التأكيد على رفض الانخراط في صراعات عربية عربية، والسعي إلى علاقات طبيعية مع مختلف الدول العربية.
أما في ما يتعلق بالمشهدية أمام الضريح، فترى الطبش أنّ الصور عكست عمق العلاقة العاطفية والسياسية بين الحريري وجمهوره، وعبّرت عن ارتباط عضوي بين الناس وخيارهم السياسي.
في المقابل، تعتبر الطبش أن الحضور الكثيف لم يكن تفصيلاً عاطفياً، بل رسالة سياسية واضحة بأن سعد الحريري لا يزال الزعيم السني الأكثر قدرة على تعبئة شارعه، وأن قاعدته الشعبية ما زالت متماسكة ووفية.
وتشير إلى أنّ دعوات الجمهور له بإعلان العودة منذ بداية الخطاب عكست توقاً عاماً إلى استعادة مظلة سياسية جامعة.
وفي ما يخص الشأن الإقليمي، ترى الطبش أنّ ترحيب الحريري بما يُعرف بسوريا الجديدة يعكس إدراكاً لتحوّل المشهد بعد سقوط نظام بشار الأسد، ويمثل انتقالاً من مرحلة صدام تاريخي إلى مقاربة تقوم على إدارة العلاقات بين دولتين.
وتعتبر أنّ هذه الخطوة تعبّر عن براغماتية سياسية ورغبة في طيّ صفحة الماضي متى نضجت الظروف، بما يخدم استقرار سوريا وعودتها إلى محيطها العربي.
وتشدّد الطبش على أنّ أي تحول في سوريا أو في موازين القوى الإقليمية سينعكس حكماً على لبنان، ما يفرض مقاربة جدية لمسألة ضبط السلاح وحصر القرار الأمني والعسكري بيد الدولة، وهو أمر يرتبط أيضاً بتفاهمات إقليمية تحصّن لبنان وتمنع استخدامه كساحة صراع.
وتختم بالتأكيد أنّ خطاب الحريري عكس قراءة عميقة لميل ميزان القوى نحو الدولة ومؤسساتها، وطرح مساراً سياسياً يقوم على تثبيت السيادة واستكمال الاستحقاق الداخلي بما يعيد القرار كاملاً إلى كنف الدولة.
خلدون الشريف: بين اختبار الشارع واستحقاق الصندوق
يرى السياسي الدكتور خلدون الشريف أنّ خطاب سعد الحريري التقط نقطتين بالغتي الحساسية في التوقيت والمضمون. الأولى تتصل بعدم اليقين حول إجراء الانتخابات في موعدها، في ظل نقاش داخلي سبق الذكرى حول إمكان التأجيل بذريعة صعوبة تطبيق القانون النافذ، مقابل موقف واضح لرئيس مجلس النواب نبيه بري الذي شدد على وجوب إجرائها في 10 أيار 2026 وفق القانون الحالي. من هنا، جاءت صياغة الحريري لعبارة “عندما تحصل الانتخابات/إذا حصلت ” مقترنة بتأكيد أن صوتنا سيُسمع وتحتسب أصواتنا، كرسالة ضغط سياسية ترفض منطق التأجيل وتعلن جهوزية التيار فور تثبيت الاستحقاق.
أما في ما يتعلق بـ”نضوج الظروف” لإنهاء الاعتكاف، فيعتبر الشريف أنّ الأمر تحقق جزئياً لا كلياً. فقرار 2022 ارتبط بتوازن قوى داخلي مائل لمصلحة حزب الله ومحور إيران، وبانسداد أفق التسويات. اليوم تغيّر المشهد نسبياً: كلفة الفراغ السنّي في البرلمان والشارع باتت واضحة، كم شهد المناخ الإقليمي الدولي تحولات، أبرزها إضعاف الحزب بعد حرب 2024 مع إسرائيل، وانتقال النقاش إلى ملف الضغوطات الأميركية لنزع السلاح بعد وقف إطلاق النار أواخر ذلك العام. برأيه، فتحت هذه المعطيات نافذة لخطاب سيادي أكثر قابلية للتسويق داخلياً وخارجياً، مع بقاء المخاطر الأمنية وحسابات التحالفات قائمة.
في المقابل يحذّر الشريف من الخلط بين المساحة المتاحة والحسم السياسي. فترجمة الزخم إلى مكاسب فعلية ستعتمد على شكل التحالفات العابرة للطوائف، وطبيعة اللوائح في الدوائر المختلطة، والقدرة على ضبط تشتت الساحة السنية الذي تفاقم بعد غياب تيار المستقبل عن انتخابات 2022.
وفي قراءته للمشهدية أمام الضريح وساحة الشهداء، يحدّد الشريف ثلاث وظائف اجتماعية سياسية للحشد: أولاً إعادة إنتاج الهوية الجماعية حول “الحريرية” كرمز يتجاوز التنظيم؛ ثانياً إظهار قدرة تعبئة عابرة للمناطق؛ وثالثاً محاولة إعادة وصل الشبكات السياسية والاجتماعية التي تراجعت خلال سنوات الاعتكاف عبر لحظة عاطفية عالية التعبئة.
ويعتبر الشريف أنّ ” اختبار الشارع” نجح من حيث إثبات الكتلة التعبوية، لكن الاختبار الأصعب يبقى في صناديق الاقتراع، لأن أي نتيجة أقل من حجم الحشد ستتم قراءتها على أنها نوع من التراجع.
وفي ما يخص الملف السوري، يرى الشريف أنّ ترحيب الحريري بـ” سوريا الجديدة” وسعيه إلى أفضل العلاقات معها يعكسان محاولة سحب هذا الملف من سوق المزايدات الداخلية، وإعادة تأطيره ضمن منطق علاقات دول في إطار عربي أوسع.
ويشير إلى أنّ الحريري يسعى للنأي بنفسه عن أي تباين عربي-عربي حول النظام السوري الجديد، وتكريس تموضعه كزعيم سنّي لبناني ذي مقاربة دولتيّة، يدرك حتمية العلاقة مع دمشق بحكم الجغرافيا والمصالح، خصوصاً بعد انتهاء مرحلة النظام الذي اتُّهم باغتيال رفيق الحريري واستهداف مشروعه السياسي.
طوني بولس: عودة الحريري مرهونة بإيقاع التحوّلات الإقليمية وحسم الخيارات الانتخابية
يرى الصحافي طوني بولس أنّ عودة سعد الحريري إلى العمل السياسي لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق الإقليمي، معتبراً أنّ الظروف المحيطة لم تكتمل نضوجاً بعد. وبحسب تقديره، فإن أي عودة فاعلة تحتاج إلى مستوى مرتفع من التنسيق مع التحوّلات الجارية في المنطقة، بحيث تأتي منسجمة مع الوقائع الجديدة، لا سابقة لها ولا منفصلة عنها.
ويشير بولس إلى أنّ ربط الحريري جهوزية ” تيار المستقبل ” بموعد الانتخابات النيابية يفتح باب التساؤلات، إذ قد يعكس معطيات تتصل بإمكان تأجيل الإستحقاق، أو بعدم حسم طبيعة المشاركة بعد. فالمشهد، وفق قراءته، يتراوح بين خيارات متعددة: خوض المعركة الإنتخابية بحدّها الأدنى، دعم مرشحين مقرّبين من التيار، أو العودة الكاملة بلائحة واضحة برئاسة الحريري نفسه، وهو خيار لم يُعلن عنه بشكل قاطع حتى الآن.
أمّا على مستوى أوسع، يعتبر بولس أنّ التحوّلات الأخيرة في الإقليم أضعفت نفوذ حزب الله ومحور الممانعة. ويربط ذلك باغتيال رفيق الحريري، الذي يراه محطة مفصلية لم تكن أمنية فحسب، بل سياسية بامتياز، هدفها ضرب مشروع الدولة الذي مثّلته الحريرية السياسية وعلاقاتها العربية والدولية، ما أتاح تمدّد المشروع الإيراني في الداخل اللبناني.
أما في ما يتصل بالحشود التي ملأت ساحة الشهداء في الذكرى الحادية والعشرين، فيقرأها بولس كإشارة سوسيولوجية وسياسية واضحة إلى استمرار الحضور الشعبي لتيار المستقبل.
ويؤكد أنّ اعتكاف الحريري لم يؤدِّ إلى تآكل قاعدته، بل أظهر حجم التماسك والوفاء، خصوصاً داخل البيئة السنية، حيث لا يزال يُعدّ أحد أبرز أركانها السياسية.
ويضع بولس ترحيب الحريري بما يسمى ” سوريا الجديدة ” في إطار مقاربة واقعية للتحولات الإقليمية، مذكّراً بأنّ مسار الحريرية السياسية، من رفيق إلى سعد الحريري، ارتبط بمواجهة مباشرة مع النظام السوري السابق وتحالفه مع حزب الله، وبالدفاع عن مشروع دولة حمله فريق 14 آذار في إطار وطني عابر للطوائف. وبرأيه، فإن تبدّل المعادلات الإقليمية قد يفتح نافذة فعلية لإعادة بناء الدولة في لبنان، شرط أن يتمّ ترجمة هذه المتغيّرات إلى مسار سياسي ومؤسساتي واضح.
