ضرائب البنزين والقيمة المضافة في لبنان: المواطنون يدفعون ثمن انهيار الإقتصاد والسياسات المالية الخاطئة

بقلم ندى جوني

في ظلّ الأزمات المتلاحقة التي يعيشها اللبنانيين منذ سنوات، بسبب الفساد والسياسات الخاطئة التي أدّت إلى الإنهيار الشامل. أقرّت الحكومة اللبنانية حزمة من الإجراءات الضريبية ضمن محاولاتها البائسة لتأمين موارد مالية لزيادة رواتب موظفي القطاع العام والمتقاعدين. أتت هذه الخطوة، التي تمحورت بشكل أساسي حول زيادة الضريبة على القيمة المضافة (TVA) وفرض رسوم إضافية على المحروقات (البنزين)، كجزء من مقايضة صعبة تهدف لتغطية تكاليف الزيادات في رواتب القطاع العام. إلا أن هذه الضرائب وضعت السلطة أمام مأزق حقيقي، حيث تحاول الموازنة سد فجوات العجز المالي عبر جيوب المواطنين، مما يهدد بتعميق الركود الاقتصادي وزيادة الأعباء المعيشية في بلد يعاني أصلاً من تآكل القدرة الشرائية.

وفي هذا الإطار أجرى موقع “ديمقراطيا نيوز “، مقابلة مع الخبير الإقتصادي الباحث خالد أبو شقرا، والخبير السياسي المحامي سامي سكاف من أجل فهم تداعيات هذه القرارات الحكومية

خالد أبو شقرا: الرسوم الضريبية عبء على المواطنين.. وإصلاح القطاع العام هو الحل الحقيقي

لفت الخبير الاقتصادي الباحث خالد أبو شقرا إلى مفارقة أساسية تتمثل في أنّ الزيادات الضريبية الأخيرة لم تُرضِ موظفي القطاع العام أنفسهم، رغم أنها أُقرّت تحت عنوان تحسين رواتبهم.
فقد أعلن اتحاد وروابط القطاع العام الإضراب العام رفضاً لهذه الزيادات، اعتراضاً على تحميلهم والمواطنين كلفتها المرتفعة، ولا سيما انعكاسها المباشر على القدرة الاستهلاكية للرواتب والأجور.
ويشرح أبو شقرا أنّ زيادة 20% على البنزين تُعدّ ضريبة تمريرية، أي أنها لا تبقى محصورة بالمحروقات بل تنتقل تلقائياً إلى مجمل السلع والخدمات. فارتفاع كلفة النقل ينعكس على أسعار المنتجات كافة، سواء لأسباب موضوعية مرتبطة بسلاسل التوريد أو نتيجة استغلال بعض التجار لأي ذريعة لرفع الأسعار. وبما أنّ البنزين يُعدّ سلعة منخفضة المرونة في السوق اللبنانية، فإن الطلب عليه لا ينخفض بسهولة مع ارتفاع سعره، خصوصاً في ظل غياب بدائل حقيقية للنقل العام المنظم. وبالتالي، سيضطر المواطنون إلى الإستمرار باستخدام سياراتهم الخاصة، ما يضاعف أعباءهم المالية في ظل قدرة شرائية متدهورة أصلاً بعد الانهيار الاقتصادي، ومع وجود ما بين 60% و70% من اللبنانيين في حالة فقر متعدد الأبعاد.
ويضيف أنّ تزامن هذه الزيادات مع ضرائب القيمة المضافة والرسوم الواردة في موازنة 2026 سيؤدي حكماً إلى مزيد من التضخم وتآكل القدرة الشرائية. فارتفاع الرسوم الداخلية وكلفة الخدمات ستتم ترجمته مباشرة بارتفاع عام في الأسعار، في وقت لم تستعد فيه السوق أي توازن نقدي أو إنتاجي.
في المقابل، يرى أبو شقرا أنّ لدى الدولة بدائل أكثر جدوى من فرض ضرائب إضافية. أولها إصلاح القطاع العام، عبر تحديد الحاجات الفعلية للموظفين وإعادة هيكلة أنظمة الرواتب والتعاقد التي يعتبرها متضخمة وغير عادلة ومكلفة. كما يشير إلى وجود مؤسسات عامة لم يعد لوجودها مبرر اقتصادي، وأخرى يمكن دمجها أو إشراك القطاع الخاص في إدارتها، ما يخفف العبء المالي عن الخزينة وينقل جزءاً من الكلفة إلى دورة اقتصادية إنتاجية.
ويشدّد على أولوية إصلاح النظام الضريبي ومكافحة التهرب والتهريب، مشيراً إلى أنّ التهرب من الضريبة على القيمة المضافة وحده قد يكلّف الخزينة مئات ملايين الدولارات سنوياً.
ويرى أبو شقرا أنّ فرض الغرامات على المخالفين، وضبط التعديات على أملاك الدولة، وتنظيم الاقتصاد النقدي، خطوات كفيلة بتأمين إيرادات مستدامة من دون اللجوء إلى فرض رسوم جديدة تثقل كاهل المواطنين.
ويختم بالإشارة إلى مفارقة ثانية، تتمثل في أنّ هذه الضرائب أُقرت بعد إقرار الموازنة، وتشكل نحو 20% منها، ما يعكس خللاً في التخطيط المالي.

ورغم وجود شبه إجماع على عدم صوابية هذه الرسوم، يتوقع أبو شقرا أن تمرّ بحكم حاجة الدولة إلى التمويل، إضافة إلى مصالح القوى السياسية المرتبطة باستمرار تضخم القطاع العام وزيادة رواتبه.
وبحسب تقديره، فإن النهج الحالي ينذر بأن نشهد كل عام مزيداً من الرسوم والضرائب لتغطية نفقات متزايدة من دون إصلاحات بنيوية حقيقية.

سمير سكاف: الضرائب ليست الحلّ… نحن أمام أزمة دولة لا أزمة إيرادات

يرى المحلل السياسي سمير سكاف أنّ الحكومة تمضي في خياراتها المالية في ظل غياب معارضة فعلية قادرة على كبح قراراتها، إذ إنّ معظم القوى السياسية مشاركة في السلطة، في ما تقتصر الاعتراضات على مواقف محدودة قد يحاول بعضها توظيف في سياق التجاذبات الداخلية. وفي هذا الإطار، قد يسعى التيار الوطني الحر إلى استخدام هذا الملف في مواجهة القوات اللبنانية داخل مناطقه في الإنتخابات النيابية.
ويؤكد سكاف أنّه لا يتوقع تراجع الحكومة عن الإجراءات الضريبية، لا سيما أنّها تجد نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: فهي مطالَبة بدفع رواتب الموظفين والمتقاعدين، وتأمين الحد الأدنى من الخدمات العامة، في وقت تعاني فيه من شحّ حاد في الإيرادات. وبرأيه، لا يوجد خيار صحيح بالكامل في هذه المرحلة، إذ إنّ كل البدائل المطروحة تنطوي على كلفة سياسية واجتماعية مرتفعة، فيما تكمن المشكلة الأعمق في غياب آلية رقابة فعّالة وسوء إدارة الموجودات العامة، ما يحوّل النقاش إلى ما يشبه “تقاسم الفقر” في بلد يملك مقومات الثروة لكنه يعيش واقع الانهيار.

ويرى سكاف أنّ لبنان، في ظل الظروف الراهنة، يتصرف كدولة فقيرة رغم موارده المحتملة. فالإيرادات المتاحة من خلال المرفأ وجمارك وأملاك عامة… تبقى غير كافية لتغطية حجم الحاجات، ما يستدعي، بحسب رأيه، توجهاً فعلياً نحو تنمية الثروات وتحفيز الاقتصاد بدل الاكتفاء بإجراءات ضريبية ترقيعية. إلا أنّ تحقيق ذلك يبقى رهناً بتغيير جذري في طريقة التفكير السياسي والإداري، وهو أمر يعتبره صعب المنال في ظل البنية القائمة.

يشدد سكاف على أنّ أي إصلاح فعلي يظل مرتبطاً بوجود دولة حقيقية تحتكر قرارها السيادي والأمني، معتبراً أنّ استمرار السلاح خارج الشرعية يقوّض قيام دولة قادرة على فرض سياسات متماسكة. كما يستبعد حصول انتفاضة واسعة على خلفية الضرائب، سواء من العسكريين أو الموظفين، نظراً لاختلاف الظروف عن ثورة 17 تشرين 2019.
ويخلص إلى أنّ الحكومة تتعرض لضغوط شعبية متزايدة، وتحاول احتواءها عبر إجراءات آنية لا ترقى إلى مستوى الحلول البنيوية، ما ينذر بالانتقال من أزمة إلى أخرى.
وفي حال جرت الانتخابات النيابية في هذا المناخ، يتوقع سكاف مجلساً نيابياً أكثر حدّة وتصادمية، ما لم تتمكن السلطة التنفيذية من تعديل بعض الشروط السياسية القائمة.
وفي المحصلة، يؤكد أنّ حجم الأزمات يفوق قدرة القوى الحالية، حتى لو اجتمعت، على معالجتها، طالما أنّ الخلل يكمن في آلية التفكير والإدارة قبل أي تفصيل تقني آخر.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top