
أن الأزمة اللبنانية لا يمكن حصرها في بُعد واحد، داخلي أو إقليمي، بل هي أزمة مركّبة نتجت عن تداخل العاملين معًا. فلبنان، كما يوضح، لم يكن يومًا مجرّد ساحة لصراعات الخارج فقط، ولا نتاج نظام سياسي هشّ فحسب، بل ضحية تفاعل مستمر بين الخلل البنيوي الداخلي والضغوط الإقليمية المتغيرة.
ويشير جبور إلى أن العامل الإقليمي لعب دورًا متكرّرًا في زعزعة الاستقرار اللبناني، من تجربة منظمة التحرير الفلسطينية في السبعينيات، إلى وصاية نظام حافظ الأسد، وصولًا إلى نفوذ الجمهورية الإسلامية الإيرانية عبر حزب الله. ومع ذلك، يذكّر بأن لبنان عرف بين عامي 1943 و1975 فترة ازدهار نسبي، نجحت خلالها الصيغة اللبنانية في التعايش بفضل توازنات إقليمية أكثر هدوءًا.
ويؤكد الكاتب أن المشهد الإقليمي اليوم يشهد تحوّلات عميقة: انهيار الاتحاد السوفياتي غيّر موازين القوى، ونظام الأسد لم يعد كما كان، فيما المشروع الإيراني يواجه تحديات وجودية. كما أن الحدود اللبنانية – السورية بدأت تتحوّل إلى ممرّ تعاون لا صراع، والحدود اللبنانية – الإسرائيلية تتجه إلى ترتيبات أمنية جديدة، ما يعني أن الشق الإقليمي من الأزمة دخل مرحلة أفول.
لكن في المقابل، تبقى المعضلة الداخلية قائمة. فالتعددية اللبنانية، رغم كونها مصدر غنى، تفتح الباب أمام الانقسامات. ويرى جبور أن الحل يبدأ بالاعتراف بأن الأزمة المركّبة تحتاج إلى دولة حديثة ومتعددة في آنٍ معًا، دولة مؤسسات حقيقية تنظم الخصوصيات الطائفية ضمن إطار دستوري عصري، بدل الاكتفاء بصيغ التوازنات الهشة.
ويخلص الكاتب إلى أن التحولات الإقليمية الحالية تمنح لبنان فرصة تاريخية للانتقال من مرحلة الاستخدام الإقليمي إلى مرحلة بناء الدولة المستقلة والمستقرة، داعيًا اللبنانيين إلى تحويل الاستقرار الخارجي إلى ركيزة لاستقرار داخلي دائم، يكرّس المواطنة والتنوّع ويؤسس لدولة حديثة قادرة على حماية جميع أبنائها
المصدر: شارل جبور – صحيفة نداء الوطن
