أسواق مزدحمة وبيوت فارغة: كيفسرق الغلاء فرحة رمضان في طرابلس؟

بقلم غنوى أبو ضاهر – ديمقراطيا نيوز

مع اقتراب شهر رمضان، تستعيد أسواق طرابلس القديمة حركتها الموسمية، إلا أنّ هذا النشاط الظاهري يخفي واقعاً معيشياً أكثر قسوة. فبين البسطات المكتظة بالمتسوّقين، تتراجع القدرة الفعلية على الشراء إلى أدنى مستوياتها، في مدينة تُصنَّف منذ سنوات ضمن الأكثر فقراً في لبنان، حيث تتآكل المداخيل بوتيرة أسرع بكثير من ارتفاع الأسعار.
رصدٌ ميداني لحركة الأسعار قبل أسابيع من حلول الشهر يُظهر ارتفاعاً ملحوظاً في كلفة السلة الغذائية الأساسية. اللحوم الحمراء خرجت عملياً من لائحة الاستهلاك لدى شريحة واسعة من العائلات بعدما تجاوز سعر الكيلوغرام قدرة أصحاب الدخل المحدود، فيما فقد الدجاج موقعه كخيارٍ اقتصادي بديل. حتى الخضار التي تُشكّل المكوّن الرئيسي لأطباق رمضانية تقليدية كالفتوش، ارتفعت أسعارها بنسب مضاعفة قياساً إلى العام الماضي، ما جعل كلفة الوجبة الواحدة توازي أجر يوم عملٍ كامل لبعض العمال.
في المقابل، لم يطرأ أي تعديل فعلي على الأجور. متوسط الرواتب في عدد كبير من القطاعات لا يزال يتراوح بين 150 و200 دولار شهرياً، وهو مبلغ لا يكفي لتغطية الحاجات الغذائية الأساسية لأكثر من أسبوع، وفق تقديرات عاملين في القطاعين التجاري والاجتماعي. أما العمال المياومون، الذين يشكّلون نسبة كبيرة من اليد العاملة في طرابلس، فيواجهون معادلة أكثر هشاشة، إذ يرتبط تأمين قوت يومهم بعدد أيام العمل المتاحة، في ظل تراجع فرص العمل وارتفاع نسب البطالة.
شهادات أصحاب المحال في الأسواق الشعبية تؤكد هذا التراجع. فحركة السؤال عن الأسعار تتقدّم على حركة البيع، فيما بات الشراء يتمّ بكميات مجتزأة تتناسب مع السيولة اليومية المتوافرة لدى الزبائن. ويشير أحد تجار المواد الغذائية إلى أنّ نسبة المبيعات انخفضت مقارنة برمضان الماضي رغم الاكتظاظ، موضحاً أنّ الناس «تدخل إلى المتجر وتخرج بأقل من نصف حاجتها الفعلية».
في الأحياء ذات الكثافة السكانية المرتفعة ومعدلات الفقر الأعلى، تبدو التداعيات أكثر وضوحاً. فقد ألغت عائلات كثيرة اللحوم والدواجن من نظامها الغذائي، واختصرت موائد الإفطار على أصناف محدودة. كما تراجعت المبادرات الفردية لإقامة موائد الرحمن نتيجة ارتفاع الكلفة التشغيلية، في وقت تؤكد فيه جمعيات محلية أنّ عدد طلبات المساعدة الغذائية ارتفع بشكل غير مسبوق، مقابل تراجع القدرة على الاستجابة بسبب تقلّص حجم التبرعات.
ويجمع ناشطون اجتماعيون على أنّ المشكلة لا تكمن فقط في ارتفاع الأسعار، بل في غياب أي آلية فعلية للرقابة أو لدعم الفئات الأكثر هشاشة، ما يترك السوق خاضعاً لتقلّبات سعر الصرف وهوامش الربح المرتفعة. هذا الواقع يضع الأسر أمام خيارات قاسية، أبرزها تقليص عدد الوجبات أو الاستدانة لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الشهر، في مشهد يعكس فجوة متسعة بين كلفة المعيشة ومتوسط الدخل.
اقتصادياً، تشير التقديرات إلى أنّ كلفة السلة الغذائية لعائلة صغيرة خلال شهر رمضان قد تتجاوز بأضعاف متوسط الأجور، ما يعني أنّ غالبية العائلات تعيش على آليات تأقلم قسرية، من بينها الاستغناء عن أصناف أساسية أو الاعتماد المتزايد على المساعدات. ورغم قسوة الأرقام، لا تزال مظاهر التكافل الاجتماعي تشكّل شبكة أمان غير رسمية، من تبادل الأطباق بين الجيران إلى المبادرات الفردية التي تحاول إبقاء روح الشهر حيّة بأقل الإمكانات.
لكن خلف هذه الصور التي تختلط فيها رائحة الشوربة بصوت المآذن عند الغروب، تختبئ حكاية مدينة تصوم عن الكثير، لا عن الطعام فقط، بل عن حقّها في حياةٍ كريمة. ففي طرابلس، لا يُقاس وقت الإفطار بدقائق الانتظار على المائدة، بل بقدرة العائلات على تأمين تلك المائدة أساساً. ومع كل أذان مغرب، يرتفع دعاءٌ واحد بصمتٍ في البيوت الفقيرة: أن يأتي رمضانٌ لا تُحسب فيه الرحمة على سعر الصرف، ولا تُقاس فيه الكرامة بقدرة الراتب على الصمود.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top