
كتب الدكتور عبدالله بارودي
لا شك ان تصريح الرئيس نبيه بري الأخير بشأن الإنتخابات النيابية المقبلة، أثار العديد من التساؤلات حول خلفياته وأسبابه وتداعياته..
هي المرة الأولى التي يُعلن فيها الرئيس بري بما يمثل على الصعيد الدستوري والتشريعي والسياسي، وبكل هذا الوضوح، ان المجتمع الدولي يدعم فكرة تأجيل الإنتخابات النيابية والتمديد للمجلس الحالي.
صراحة بري لم تقف عند هذا الحدّ، بل هو أشار الى الجهة الأساسية التي فاتحته بهذا الشأن، ألا وهي اللجنة الخماسية، التي من المفترض أن دورها في لبنان انتهى، كما جاء على لسان أكثر من عضوٍ فيها، بفعل انجاز مهمتها القائمة أساسًا على المساعدة ومواكبة انتخاب رئيس الجمهورية وتسمية رئيس الحكومة، وهو ما تمّ فعليًّا !..
ولعلّ رفض بري تأجيل الإنتخابات واصراره على إجرائها في موعدها لا يأتي الا في سياق رمي الكرة الى ملعب الفريق الآخر. وهو قد أشار الى ذلك في تصريحه، حين أكد على تحمّل الطرف المعطّل عدم اجراء الإنتخابات. علمًا ان الطرف المقصود يبادل بري نفس الإتهامات ما يؤشر الى ان الجميع بات على اتم الإستعداد بالذهاب نحو التأجيل مرضاة وتنفيذًا لتوجيهات الخارج !..
وفق المعلومات التي حصل عليها “ديمقراطيا نيوز” من مصادر سياسية مطلعة، جاهر سفير دولة كبيرة بطلب تأجيل الإنتخابات النيابية أمام مرجعيات سياسية لبنانية، مشيرًا الى ان دولته تفضل التمديد للمجلس الحالي، في ظلّ عدم حسم وانتهاء ملف حصرية السلاح !..
وتشير المعطيات المتوفرة أيضًا الى ان سفير دولة اقليمية كبيرة أبلغ المعنيين بنفس التوجهات، و لا يبدو ان باقي أعضاء “الخماسية” يتكلمون بمنطق آخر ولو ان لكل منهم أسلوبه وطريقته في ايصال فكرته. لكنها بالمجمل تصبّ في اطار عدم إجراء الإستحقاق الإنتخابي في موعده لثلاثة عوامل:
أولًا- عدم البت بملف سلاح “حزب الله”..
ثانيًا- دعم رئيس الحكومة نواف سلام الذي برأي بعض أعضاء “الخماسية” يقوم بما هو مطلوب منه، وبالتالي لا داعي لوقف مسار عمل حكومته في الوقت الراهن.
ثالثًا- ولادة مجلس نيابي صورة طبق الأصل عن المجلس الحالي، مع استبعاد أي خرق نيابي في صفوف “الثنائي الشيعي”، وهو ما يمكن تداركه و العمل عليه أكثر بعد سنة أو سنتين..
لكن المفارقة تكمن بأن أغلبية الأطراف الداخلية اللبنانية تقاطعت مصالحها وارادتها مع ما يريده المجتمع الدولي بشأن تأجيل موعد الإستحقاق الدستوري. وكل التصريحات العلنية لا تخفي حقيقة الموقف من الإنتخابات عند معظم الأفرقاء السياسيين.
ف”القوات اللبنانية” وفريقها السياسي يفضّلون عدم اجراء الإنتخابات في ظلّ وجود السلاح، علّهم يصلون الى لحظة سياسية مفصلية وتاريخية، تمكنهم من التأثير بشكل فعليّ على انتخاب رئيس مجلس النواب المقبل، والدفع بعدم حصرية تسمية الوزراء الشيعة في أي حكومة مقبلة ب”الثنائي الشيعي” !..
في المقابل، يبدو ان الرئيس نبيه بري لا يُحبّذ الترشح لولاية جديدة تمتد لأربعة سنوات لعدة أسباب، ويفضّل ابرام تسوية داخلية تسمح له بأخذ المجلس النيابي نحو تمديدٍ لسنة ويفضّل سنتين، يقوم خلالها بالتحضير لما هو قادم، وفق السيناريوهات والتطورات الإقليمية التي سنشهدها.
“حزب الله” لا يمانع شقيقه الأكبر بسلوك هذا المسار، فهو من جهة لا يزال متوجسًا من سيناريو حرب اسرائيلية مدمرة تقضي على ما تبقى لديه من قدرات عسكرية وبشرية. ومن جهة أخرى، يترقب بقلق بالغ نتائج ما يجري على جبهة المفاوضات الأميركية الإيرانية، فهو بحالتيها السلمية أو العسكرية قد لا تصب في مصلحته !..
من جهته، رئيس الحكومة نواف سلام وهو أضعف الأطراف، ولا قدرة لديه على التأثير الداخلي والإقليمي، يفضّل التمديد للمجلس الحالي والبقاء على كرسيّ الرئاسة الثالثة، طالما ان أي استحقاق نيابي جديد قد لا يوفر له حظوظًا وافرة في البقاء داخل السراي الحكومي !..
وحده رئيس الجمهورية سيكون الخاسر الأكبر من عدم اجراء الإنتخابات النيابية في موعدها، وستعتبر نكسة دستورية في السنة الثانية من ولايته الرئاسية !..
فهل سيتمكن الرئيس عون من الصمود في وجه الرياح العاتية الآتية من كل صوب، واستعمال كل أدواته وصلاحياته الدستورية من أجل احترام موعد الإستحقاق النيابي في 10 أيار المقبل مع امكانية التمديد التقني للصيف القادم، أم سيقبل الأمر الواقع -خصوصًا- اذا ما كانت “الحرب” ستكون المسبب الرئيسي لتأجيل استحقاق “برلمان 2026” !…
