صومُ القلوب في رحاب الهلال والصليب

بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز

​لم يكن بوسعي أن أقف حيال هذا الفيض من المشاعر وقفة المتفرج، والروحُ تتقاذفها أمواجُ الوجد في هذه اللحظاتِ المهيبة. فقد انتظرتُ، وفي الصبرِ حكمةٌ وفي التريُّثِ بيان، حتى أخطَّ هذه الكلمات مع بدءِ الصومِ لدى المسيحيين أبناءالطوائفِ الشرقية، الذين التحقوا اليوم بموكبِ الصائمين من المسلمين ومن إخوتِهم المسيحيين أبناء الطوائفِ الغربية. ها هو لبنانُ إذن، كحارةٍ عتيقةٍ تجتمعُ كلُّ بيوتِها على مائدةِ السماء؛ حيثُ يتوحدُ الصائمون على اختلافِ مشاربِهم في حرمانٍ اختياريٍّ لا يُرادُ به الجوع، بل يُرادُ به فيضُ الرحمةِ التي تجعلُ من آلامِ الآخرين شأناً شخصياً لا يقبلُ التأجيل. إنها لحظة الانصهار الكبرى، حيث تتآلف الأرواح فوق جراح الوطن، لتصيغ من الجوع المشترك صرخة إثبات ووجود.

​العبور من سجن الذات إلى فضاء الخدمة

​في هذه الأرض التي لا تكفُّ حجارتُها عن سرد قصص الصمود، وحيث تتداخلُ أصواتُ الأجراس بآذان الفجر في نسيجٍ قدسيٍّ واحد، لا يقاسُ التاريخُ بالسنين، بل بمقدار ما نحمله من حُطامِ الآخرين على أكتافنا. إن التاريخ، يا صاحبي، ليس مجرد أوراقٍ صفراء في عهدة المخطوطات، بل هو ذلك “الباب الواسع” الذي لا يفتحه إلا أولئك الذين جعلوا من حياتهم “خدمة سامية” لأصغرِ إخوتهم. لقد علمنا الزمانُ أن العظمةَ ليست في اعتلاء المنابر، بل في عبور “المحنة الشديدة” بقلبٍ لم يتلوث بالأنا؛ أولئك هم الذين غسلوا حللهم بدموع التضحية، فبيَّضتها أفعالهم الطيبة وصارت مآثرهم بطولاتٍ تتحدى النسيان.

​وعلى رصيفِ هذا الواقع المرير، حيثُ البيوتُ تتداعى فوق رؤوسِ قاطنيها كأوراقِ الخريف، تَمضي موازناتُ الدولةِ في غيِّها؛ تُثقلُ كاهلَ الناس بزياداتِ البنزين وضريبةِ “القيمة المضافة” العتيدة، وكأنَّ القابضين على القرارِ يعيشون في مِعزلٍ عن حارةِ الكادحين التي لم تعد تجدُ ما تقتاتُ به. وفيما تغيبُ الرؤيةُ عمن افترضنا فيهم الاستشراف قبل إقرار موازنات الجباية، ويستمرُ العدوانُ الإسرائيلي في نكءِ الجراحِ المفتوحة بصلفه الذي لا يفرق بين حجر وبشر، نجد أنفسنا نبحث عن “قبسٍ” وسط هذه العتمة المستحكمة.

​قيامةُ الرجاء من تحت ركامِ التهميش

​في هذا المشهد الملحمي، برز المطران يوسف سويف كحارسٍ ليقظة الضمير، رافضاً أن يظلَّ وقارُه الكنسيُّ حبيس الجدران الصامتة خلف الأبواب المغلقة، فاهتزَّ لمرأى الوجع وهبط إلى حيث يئنُّ الناس وتتصاعد زفراتُ المحرومين. لقد استحضر في وجدانه تلك الآية الخالدة التي تهزُّ أركان النفس: “كُلُّ مَا فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الصِّغَارِ، فَبِي فَعَلْتُمْ”؛ فأدرك بحدس الراعي أنَّ القداسة لا تُنال بالبخور وحده، بل بمسح غبار الذل عن جباه “الأصاغر”، وأنَّ العبادة الحقيقية هي تلك التي تُختبر عند كل صرخة أرملة أو صمت طفلٍ يتيم روعه الانهيار.

​ولم يكن تضامنُ المطران سويف شعاراً تذروه الرياح، بل تجلى في “فعلٍ” ناصعٍ حين جعل من صروح العلم مرافئ للكرامة، محولاً غرف الدراسة إلى أحضانٍ دافئة لعائلاتٍ غدر بها الحجر والزمان. وبينما كانت الدنيا تنشغل بحسابات الأرقام وموازنات الجباية، أطلَّ المطران عبر “تلفزيون لبنان” ليعلن بلسان اليقين أنَّ كلَّ ما سيُجنى في زمن الزهد والتقشف في أبرشيته، سيتحول بالكامل إلى خبزٍ ومأوى وبلسمٍ لمن نكبهم التهميش في طرابلس، مؤكداً أنَّ اللحظة هي “وقفة ضمير” ومسؤولية إنسانية لا تقبل القسمة، داعياً الجميع لشبك السواعد لتخفيف وطأة المحنة. لقد جعل من المقاعد الخشبية مرافئ أمان، ومن “فلس الأرملة” جسراً للعبور، مبرهناً أنَّ المؤسسة الحية هي التي تملك قلباً ينبض بالرحمة، لا مجرد بناءٍ أصم يكتفي بالفرجة على الحطام.

​”العبور الكبير”: حين يتوحدُ الجوعُ وتستقيمُ الصلاة

​يأتي عطاءُ الذات هذا ونحنُ نسيرُ في دروب الصوم، حيث لا يكونُ الصيامُ كفاً عن القوتِ بل هو احتراقٌ في شوقِ إطعامِ جائع وإيواء مشرد. ويشاءُ القدَرُ في هذا العام أن يتعانقَ الصليبُ مع الهلال، ليلتقي جوعُ البطون بفيضِ القلوب، وتصبحُ السجدةُ والصلاةُ لغةً واحدةً تنادي بالرحمة المشتركة. فما أجمل أن يرى الخالقُ عباده في لبنان، يتنافسون في “صوم القلوب”، حيث يمسكُ الهلالُ بيدِ الصليب ليحملوا معاً هموم المشردين في أزقة طرابلس المكلومة، ويواجهون بجوعهم الاختياري جوعاً قسرياً فرضته أنانيات عاتية.

​إن لبنان اليوم لا يحتاج إلى وعّاظٍ ينمقون الحروف، بل إلى “فاعلي حب” و”صنّاع سلام” يقتفون أثر هذا العمل الميداني. حاجتنا ماسة إلى أولئك الذين يدركون أن السلام الحقيقي يبدأ من طمأنة الخائف وإشباع الجائع، لا من أروقة السياسة المظلمة. إن المطران سويف، بقرعه أبواب المسؤولين من السرايا إلى الرئاسة، لم يكن يطلبُ جاهاً، بل كان يحمل “أوجاع الأصاغر” مطالباً بتأمين البدائل ووقف نزيف التهميش المزمن الذي ينهشُ طرابلس، تلك المدينة التي تئن بصمت تحت وطأة الفقر والعدوان.

​يا أبناء الأرز، لنجعل من هذا التزامن المقدس في الصيام فرصةً للنهوض بالإنسان قبل الحجر. إنَّ العبادة الحقيقية هي التي تُترجمُ إلى خبزٍ وكساء وسكن، وهي التي تقف بوجه الظلم الاقتصادي والاعتداء الخارجي بصلابة الأرز. فليكن صومنا هذا العام رحلةً حقيقية نحو الآخر، وليكن إفطارنا فرحاً برؤيةِ عائلةٍ وجدت مأواها في حضنِ تضامننا. هكذا فقط، نثبتُ للعالم أنَّ لبنان ما زال يملكُ قلباً كبيراً يتسعُ لكل أبنائه، وأنَّ صوم القلوب في رحاب الهلال والصليب هو طريقنا الوحيد نحو القيامة والعبور من نفق اليأس إلى فضاء الكرامة.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top