
بقلم غنوى أبو ضاهر- ديمقراطيا نيوز
لم تعد الحرب في لبنان مجرد حدثٍ طارئ يمرّ في نشرات الأخبار، بل غدت واقعًا يوميًا يفرض حضوره على تفاصيل الحياة الصغيرة قبل الكبيرة. وفي قلب هذا الواقع يقف الطفل اللبناني، ببراءته الهشّة، متلقّيًا إشارات الخوف من حوله، ومستشعرًا القلق الذي يتسرّب إلى نبرة الأصوات وتعابير الوجوه. قد لا يفهم الطفل تعقيدات السياسة ولا أسباب النزاعات، لكنه يدرك تمامًا معنى الاضطراب حين يفقد شعوره بالأمان، ويشعر بأن العالم الذي يفترض أن يحميه لم يعد مستقرًا كما كان.
تنعكس أجواء الحرب على نفسية الطفل بطرق متعددة تختلف باختلاف عمره ومرحلة نموّه. فالأطفال الصغار قد يعودون إلى سلوكيات سابقة كتعلّق مفرط بالوالدين أو اضطرابات في النوم وظهور كوابيس متكررة، بينما يُظهر أطفال سنّ المدرسة تراجعًا دراسيًا أو قلقًا دائمًا يتجسّد في أسئلة متكررة عن الموت والخطر، أو في شكاوى جسدية ذات منشأ نفسي كالصداع وآلام البطن. أما المراهقون، فيميل بعضهم إلى العصبية والانفعال السريع، أو إلى الانسحاب والعزلة والشعور بفقدان الأمل. وفي جميع هذه الحالات، يبقى العامل المشترك هو اهتزاز الإحساس بالأمان، وهو الركيزة الأساسية لنموّ نفسي سليم.
من هنا يبرز الدور المحوري للأسرة بوصفها خط الدفاع الأول عن التوازن النفسي للطفل. فالأبوان، بوعيهم وانفعالاتهم، يشكّلان المرآة التي يرى الطفل من خلالها العالم. ليس المطلوب إنكار الواقع أو الادّعاء بأن كل شيء على ما يرام، بل التعامل مع الأحداث بهدوء واتزان، وتقديم تفسير صادق ومبسّط يتناسب مع عمر الطفل دون إغراقه في تفاصيل قاسية تفوق قدرته على الاحتمال. إن الطمأنينة التي يستشعرها الطفل من ثبات والديه قادرة على تخفيف حدّة الخوف أكثر من أي كلمات مطمئنة تُقال على عجل.
كما يشكّل الحفاظ على قدرٍ من الروتين اليومي عنصرًا بالغ الأهمية في هذه الظروف؛ فانتظام مواعيد النوم والطعام والدراسة يمنح الطفل إحساسًا بالاستقرار وسط الفوضى، ويعيد إليه شعور السيطرة على جزء من حياته. وإلى جانب ذلك، ينبغي إتاحة مساحة آمنة للتعبير عن المشاعر، سواء بالكلام أو الرسم أو اللعب، من دون توبيخ أو تقليل من شأن المخاوف. فالاعتراف بالخوف واحتواؤه أفضل بكثير من تجاهله أو السخرية منه، إذ إن المشاعر المكبوتة قد تتحوّل مع الزمن إلى قلقٍ مزمن أو أعراض صدمة نفسية.
ولا يقلّ أهميةً عن ذلك الحدّ من تعرّض الأطفال لمشاهد العنف والأخبار المتكررة، لما لها من أثرٍ تراكمي يعمّق الإحساس بالتهديد.
وفي المقابل، فإن تعزيز الروابط العاطفية داخل الأسرة، من خلال الحوار الدافئ والاحتضان والأنشطة المشتركة البسيطة، يرسّخ لدى الطفل شعورًا بأنه محاط بدائرة أمان، حتى وإن كان الخارج مضطربًا.
ومع ذلك، قد تستدعي بعض الحالات تدخلًا متخصصًا، ولا سيما إذا استمرت الأعراض النفسية فترة طويلة أو ظهرت مؤشرات مقلقة كالعزلة الشديدة، أو اضطرابات النوم الحادة، أو الحديث المتكرر عن الموت، أو السلوك العدواني الخطير. فاللجوء إلى مختص نفسي ليس اعترافًا بالفشل، بل خطوة مسؤولة لحماية الطفل من آثار قد تمتد إلى مراحل لاحقة من حياته.
إن الحروب قد تترك ندوبًا على الجدران والطرقات، لكنها لا ينبغي أن تترك ندوبًا دائمة في نفوس الأطفال. فحين نمنح أبناءنا الأمان العاطفي، ونصغي إلى مخاوفهم بجدّية ورحمة، فإننا نزرع في داخلهم قدرة على الصمود تتجاوز حدود اللحظة الراهنة. وبذلك نكون قد حمينا مستقبلهم، وحافظنا على إنسانيتهم، رغم كل ما يدور حولهم من اضطراب.
