بين الحرب والإستحقاق النيابي: هلكان تأجيل الإنتخابات لعامين الخيار الوحيد؟

بقلم ندى جوني

اندلعت الحرب في لبنان عقب إطلاق حزب الله ستة صواريخ، في لحظة كانت الدولة اللبنانية تحاول فيها إعادة لملمة ما تبقّى من مؤسساتها بعد سنوات طويلة من الأزمات والتراكمات السياسية والاقتصادية التي أضعفت بنيتها وأفقدتها الكثير من قدرتها على إدارة الأزمات من جهة، وتسعى إلى بسط سيادتها على كافة الاراضي اللبنانية ونزع السلاح غير الشرعي من جهة أخرى.
كان اللبنانيون يترقبون الانتخابات النيابية باعتبارها فرصة لإحداث تغيير سياسي قد يفتح الباب أمام تحسين أوضاعهم المعيشية واستعادة الحدّ الأدنى من الاستقرار السياسي والمؤسساتي.
غير أنّ تطوّر المواجهة العسكرية وما رافقها من تداعيات أمنية وإنسانية وضع الدولة أمام معادلة معقّدة، دفعتها إلى اتخاذ قرار تأجيل الانتخابات النيابية في ظرف وطني بالغ الحساسية.

ولم يقتصر القرار على التأجيل التقني القصير، بل ذهب المجلس النيابي إلى تمديد ولاية المجلس لمدة عامين، من دون استنفاذ المهل الدستورية الممكنة التي كانت تسمح بتمديد أقصر، الأمر الذي فتح باب النقاش السياسي حول خلفيات القرار وتداعياته على الحياة الديموقراطية في البلاد.

غياث يزبك: كنا نصرّ على تمديد تقني لستة أشهر لا تأجيل الإنتخابات لعامين

في حديثه عن قرار تأجيل الانتخابات النيابية لعامين، رأى عضو تكتل الجمهورية القوية النائب غياث يزبك أنّ هذا القرار جاء نتيجة جملة حسابات سياسية داخلية لدى عدد من القوى والأحزاب، معتبراً أنّ بعض هذه الأطراف تخشى العودة إلى صندوق الاقتراع في ظلّ تراجع شعبيتها ونفوذها في المرحلة الأخيرة. وأشار إلى أنّ هذا الخوف دفع بعض القوى إلى الالتقاء ضمن ائتلاف سياسي غير معلن، هدفه تأجيل الاستحقاق الانتخابي وتفادي اختبار المزاج الشعبي في هذه المرحلة الحساسة.
وأوضح يزبك أنّ لكلّ طرف شارك في قرار التأجيل حساباته الخاصة المرتبطة بواقعه السياسي والتنظيمي، إلا أنّه أقرّ في الوقت نفسه بأنّ الظروف الاستثنائية التي يمرّ بها لبنان، ولا سيما الحرب الدائرة والتداعيات الأمنية والإنسانية المرافقة لها، تشكّل عاملاً ضاغطاً يمكن أن يبرّر البحث في تأجيل تقني للاستحقاق الانتخابي.
غير أنّ الخلاف الأساسي، بحسب يزبك، لم يكن حول مبدأ التأجيل بحدّ ذاته، بل حول مدّته. إذ شدّد على أنّ موقف القوات اللبنانية كان واضحاً منذ البداية بضرورة حصر التمديد بفترة لا تتجاوز ستة أشهر، باعتبارها مهلة معقولة تتيح تقييم الأوضاع الميدانية لاحقاً.
وأضاف أنّ هذا الطرح ينطلق من منطق بسيط: فإذا انتهت الحرب خلال بضعة أشهر، يصبح من الممكن العودة سريعاً إلى تنظيم الانتخابات. أما إذا استمرّت الظروف الاستثنائية، فيمكن عندها إقرار تمديد إضافي لمدة ستة أشهر أخرى، بدلاً من الذهاب مباشرة إلى تأجيل يمتد لعامين كاملين.
ولفت إلى أنّ تجربة الانتخابات البلدية السابقة تثبت إمكانية إجراء استحقاقات انتخابية حتى في ظلّ ظروف أمنية صعبة، مشيراً إلى أنّ تلك الانتخابات جرت فيما كان لبنان لا يزال يعيش أجواء الحرب، ما يؤكد أنّ تنظيم الانتخابات ليس أمراً مستحيلاً إذا توفرت الإرادة السياسية.

وفي قراءته السياسية لقرار التأجيل، اعتبر يزبك أنّ هذه الخطوة تصبّ في مصلحة حزب الله، لأنها تخفف عنه الضغط المرتبط بخوض معركة انتخابية في وقت ينخرط فيه في مواجهة عسكرية مفتوحة مع إسرائيل. إلا أنّه أشار في المقابل إلى ما وصفه بـ”الازدواجية” في سلوك الحزب، معتبراً أنّه لا يتعامل مع الاستحقاقات الداخلية بالمعايير نفسها التي يفرضها على الآخرين.
وأضاف أنّ حزب الله، بحسب رأيه، يظهر أحياناً استعداداً للعودة إلى استخدام سلاحه في الداخل إذا لم تأتِ النتائج السياسية أو الانتخابية بما يتناسب مع مصالحه، الأمر الذي يعكس وفق تعبيره حالة من عدم الاكتراث بمصالح اللبنانيين، ولا سيما في ظلّ الأوضاع الإنسانية الصعبة التي يعيشها آلاف المهجّرين نتيجة الحرب.

وفي هذا السياق، رأى يزبك أنّ المشكلة في لبنان تتجاوز مسألة الانتخابات بحدّ ذاتها، لتصل إلى مسألة أعمق تتعلّق بوجود سلاح خارج إطار الدولة. وأكد أنّه لا يمكن بناء دولة مستقرة وقادرة طالما أنّ قرار الحرب والسلم ليس محصوراً بالمؤسسات الشرعية.
كما حمّل إيران مسؤولية أساسية عمّا تشهده المنطقة من تصعيد، معتبراً أنّ سياساتها القائمة على الترهيب والتوسع والنفوذ الإقليمي ساهمت في إدخال لبنان في أزمات متتالية.
وأضاف أنّ لبنان لا يمكن أن يبقى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو لتنفيذ سياسات تخدم مصالح خارجية.
وختم يزبك بالتشديد على أنّ الحلّ الوحيد للخروج من المأزق الحالي يكمن في عودة القرار السيادي كاملاً إلى الدولة اللبنانية، داعياً حزب الله إلى اتخاذ قرار واضح بالتخلي عن سلاحه والانخراط الكامل في مؤسسات الدولة، بما يساهم في حماية لبنان من الانزلاق نحو أزمات أكبر في المستقبل.

إيهاب مطر: التمديد لعامين هو الخيار الأكثر واقعية لإجراء الانتخابات عند تحسن الظروف

في حديثه عن النقاشات التي دارت داخل المجلس النيابي حول مصير الإنتخابات النيابية، أشار النائب إيهاب مطر إلى أنّ النقاش لم يكن محصوراً بمبدأ التأجيل بحدّ ذاته، بل تركز أساساً حول مدّة التمديد الأنسب في ظلّ الظروف الإستثنائية التي يعيشها لبنان اليوم.
وأوضح أنّه كان من المفترض أن يدرج ضمن جدول الأعمال اقتراح قانون يقضي بتمديد ولاية المجلس لمدة عام واحد، إلا أنّ هذا الاقتراح لم يُطرح للنقاش، الأمر الذي أثار استغرابه.

وقال مطر إنّ اقتراح النائب أديب عبد المسيح الذي نصّ على تمديد لمدة عام كان يمكن أن يشكّل حلاً وسطاً بين الطروحات المختلفة، إلا أنّ عدم إدراجه جعل المجلس النيابي أمام ثلاثة اقتراحات فقط، وهي التمديد لأربعة أشهر، أو لستة أشهر، أو لمدة سنتين.

وأضاف أنّ خيار التمديد لعدة أشهر فقط بدا غير واقعي في ظلّ الظروف الحالية، لأنّ البلاد تعيش وضعاً أمنياً وعسكرياً معقداً، ولا توجد مؤشرات واضحة تضمن تحسّن الأوضاع خلال فترة قصيرة.
وأشار إلى أنّ الاقتراح القاضي بالتمديد لعامين تضمن بنداً أساسياً ينص على إجراء الإنتخابات فور زوال الظروف التي أدّت إلى تأجيلها. وهو ما جعله، برأيه، الخيار الأكثر قابلية للتطبيق بين الإقتراحات المطروحة. فالقانون، بحسب مطر، لا يفرض بالضرورة انتظار انتهاء مدة السنتين، بل يتيح تنظيم الانتخابات فور توفّر الظروف الأمنية والإدارية المناسبة.
وأوضح أنّ هذا النص يضع مسؤولية واضحة على عاتق الحكومة، إذ تصبح ملزمة بالدعوة إلى الإنتخابات عندما تصبح الظروف مؤاتية. وأكد أنّه على قناعة بأنّ هذه الظروف قد تتحقق قبل انتهاء مهلة السنتين، ما يعني أنّ الانتخابات قد تُجرى قبل ذلك في حال استقرت الأوضاع.
كما لفت مطر إلى أنّ مسألة الإنتخابات لا يمكن اختزالها بعملية الاقتراع يوم التصويت فقط، بل هي مسار إداري وقانوني طويل يبدأ قبل ذلك بوقت كافٍ. فالعملية الانتخابية تشمل فتح باب الترشيحات، ودعوة الهيئات الناخبة، وجمع المستندات الرسمية، إضافة إلى تشكيل اللوائح الانتخابية والتحالفات السياسية التي تسبق يوم الاقتراع. ومع انتهاء مهلة الترشح في العاشر من آذار، كان لا بدّ من حسم مصير الاستحقاق الانتخابي وعدم إبقاء الأمور معلّقة.
وفي حديثه عن الواقع الميداني، أشار مطر إلى أنّ الظروف الأمنية والإنسانية الراهنة تطرح تحديات جدية أمام إجراء الانتخابات في عدد من المناطق اللبنانية. فجزء من الجنوب، بحسب تعبيره، أصبح خارج القدرة العملية على تنظيم استحقاق انتخابي فيه، كما أنّ عدداً كبيراً من المدارس تحوّل إلى مراكز لإيواء النازحين نتيجة الحرب، ما يجعل استخدامها كمراكز اقتراع أمراً صعباً في الوقت الراهن.
وأضاف أنّ المخاطر الأمنية لا تزال قائمة، فضلاً عن الدمار الذي لحق بعدد من المناطق، ما يطرح تساؤلات واقعية حول كيفية تنظيم الانتخابات في أماكن مثل الضاحية الجنوبية أو المناطق المتضررة من العمليات العسكرية. لذلك، فإنّ الحديث عن مواعيد دقيقة لإجراء الانتخابات يبقى مرتبطاً بتطورات الوضع الأمني على الأرض.

وختم مطر بالتأكيد أنّ القانون الذي أُقرّ واضح في مضمونه، إذ يربط إجراء الانتخابات بتوفر الظروف الملائمة، ولا يفرض حكماً انتظار نهاية مدة التمديد.

وشدّد على أنّ المرحلة الحالية تتطلب مقاربة واقعية تراعي الظروف الاستثنائية التي يعيشها لبنان، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الالتزام بالمبادئ الدستورية. كما اعتبر أنّه من المبكر الحديث عن تغيّرات سياسية كبرى مرتبطة بموازين القوى الداخلية، بما في ذلك وضع حزب الله، لأنّ المشهد السياسي يبقى مرتبطاً إلى حد كبير بتطورات الحرب والظروف الإقليمية المحيطة بلبنان.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top