
بقلم ندى جوني
تمّ التداول خلال اليومين الأخيرين بمعلومات عن مقترح للتفاوض بمبادرة فرنسية يهدف إلى التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل. إلا أن الوقائع الميدانية والتصريحات السياسية الصادرة عن الجانبَين الأميركي والإسرائيلي تشير إلى مسار مختلف، حيث تبدو المواجهة مرشّحة لمزيد من التصعيد، في ظل تأكيد إسرائيل أنها لن توقف عملياتها قبل القضاء على حزب الله عسكرياً. وبين المساعي اللبنانية الرامية إلى لجم الحرب ووقف تمددها، من جهة، وتمسّك حزب الله بخيار المواجهة، من جهة أخرى، يقف لبنان أمام واقع شديد التعقيد. فإسرائيل تؤكد أنها منحت الدولة اللبنانية مهلة كافية لنزع سلاح حزب الله، فيما تستمر العمليات العسكرية بوتيرة مرتفعة، ما يطرح تساؤلات جدية حول أفق هذه الحرب ومدى قدرتها على التمدد زمنياً، وانعكاساتها التدميرية على الداخل اللبناني بمختلف مكوناته.
في هذا السياق، أجرى موقع “ديمقراطيا نيوز” مقابلة مع كل من الخبير العسكري العميد ناجي الملاعب والخبير السياسي سمير سكاف، بهدف فهم حقيقة الحديث عن المبادرة الفرنسية وإمكانية التفاوض، في ظل التصريحات الأميركية والإسرائيلية التي تنفي في الوقت الراهن وجود أي مسار تفاوضي لوقف الحرب.
سكاف: لا مفاوضات حالياً والحرب مرشّحة للتصعيد
أشار الخبير السياسي المحامي سمير سكاف إلى أن وزارة الخارجية الفرنسية نفت وجود أي مبادرة فرنسية حالياً لإنهاء الحرب بين لبنان وإسرائيل، ما يعني أنه لا يوجد طرح رسمي للتفاوض من الجانب الفرنسي في الوقت الراهن. وأضاف أنه في ضوء التطورات الميدانية والمؤشرات السياسية لا تبدو هناك أي فرصة لبدء مفاوضات سياسية في هذه المرحلة، مؤكداً أن الكلمة اليوم للمواجهة العسكرية.
وأوضح سكاف أن معظم المؤشرات الميدانية تشير إلى احتمال توغل إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية بهدف إنشاء حزام أمني في جنوب لبنان، إلا أن عمق هذا الحزام لا يزال غير محدد. فبعض التحليلات تتحدث عن احتمال وصوله إلى حدود نهر الليطاني، فيما تشير تقديرات أخرى إلى عمق يتراوح بين 10 و20 كيلومتراً. وأضاف أيضاً إلى أن مسألة تفريغ هذه المنطقة لا تزال غير واضحة حتى الآن، إذ لم يتبيّن ما إذا كان سيتم إخلاؤها بالكامل من السكان أو سيُسمح للأهالي بالبقاء فيها.
ولفت إلى أن بعض القرى المسيحية قد جرى إخلاؤها بالفعل، فيما لا تزال قرى مسيحية أخرى مأهولة بالسكان، ما يعكس حالة من الغموض والقلق حول مصير هذه المناطق.
كما أكد أن العمليات العسكرية الإسرائيلية تبدو ذات طابع تدميري واسع، خصوصاً في المناطق الواقعة جنوب الليطاني وفي القرى الحدودية. كما تظهر مقاطع الفيديو المتداولة في الإعلامين الأميركي والإسرائيلي توغلات برية وعمليات تمشيط للمنازل داخل القرى الحدودية مثل بلدة الخيام، مع مؤشرات على دخول وخروج القوات الإسرائيلية من بعض المناطق.
ولفت سكاف إلى وجود حشود عسكرية إسرائيلية كبيرة على الحدود الجنوبية، بما في ذلك عدد كبير من الدبابات التي لم تدخل بعد إلى الأراضي اللبنانية، إضافة إلى وحدات عسكرية لا تزال متمركزة على الحدود. كما تحدثت المعلومات عن نقل قيادة عسكرية إسرائيلية كانت تتمركز في محيط غزة إلى الجبهة الشمالية.
وأكد أن فرضية التفاوض في الوقت الراهن غير مطروحة، ولا يوجد أي حديث جدي عن وقف الحرب. وبحسب المعطيات المطروحة، فإن الخيارات المطروحة أمام لبنان، وتحديداً أمام حزب الله، تتمثل إما في تسليم سلاحه بالكامل أو استمرار الحرب بطابعها التدميري.
وأشار سكاف إلى أن رئيس الحكومة الإسرائيلية ووزير الدفاع أكدا أن المعركة ستستمر حتى كسر حزب الله عسكرياً وتجريده من سلاحه بالكامل، من دون الالتفات إلى ما تقوم به الدولة اللبنانية. واعتبر الجانب الأميركي والإسرائيلي أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم في 27 تشرين الثاني 2024، بعد المواجهة السابقة واغتيال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله وخليفه السيد هاشم صفي الدين، كان يفترض أن يؤدي إلى قيام الحكومة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله بالكامل.
وبحسب هذا المنطق، يرى الأميركيون والإسرائيليون أن الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني حصلا على فرصة كافية لتنفيذ هذا الأمر، إلا أنهما لم يتمكنا من سحب سلاح حزب الله. لذلك، ووفق ما يتم تداوله سياسياً، أعطت الولايات المتحدة الأميركية الضوء الأخضر لإسرائيل لتنفيذ عملية عسكرية واسعة تهدف إلى نزع سلاح حزب الله بالكامل والوصول إلى ما تسميه إسرائيل “صفر مخاطر” على جبهتها الشمالية.
وأشار سكاف إلى أن الاتصال الذي جرى بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وصل إلى طريق مسدود، على الرغم من تحذيرات فرنسا من تداعيات التصعيد. فقد حذر ماكرون من أن أي دخول بري إسرائيلي إلى جنوب لبنان قد يشعل المنطقة أكثر ويشكل خطأ استراتيجياً، إلا أن هذه التحذيرات لم تمنع إسرائيل من اتخاذ قرار التوغل البري، بالتوازي مع استمرار الغارات الجوية العنيفة على العديد من المناطق اللبنانية.
وختم سكاف بالإشارة إلى أن الغارات الإسرائيلية أدت إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا وإلى موجات تهجير واسعة، ودماراً كبيراً في العديد من المناطق. واعتبر أن كل المؤشرات تدل على أن المعركة ستكون طويلة وقاسية، موضحاً أن الدخول في الحرب قد يكون سهلاً، لكن الخروج منها سيستغرق وقتاً طويلاً.
العميد الملاعب: التوغل الإسرائيلي قد يهدف لتحسين شروط التفاوض لكن الجنوب لن يكون نزهة عسكرية
أشار الخبير العسكري العميد ناجي الملاعب حول التطورات الميدانية في جنوب لبنان وإمكانية التوغل البري الإسرائيلي، إلى أن العمليات البرية وعمليات الإخلاء التي تقوم بها إسرائيل تندرج ضمن استراتيجية ميدانية تهدف إلى تحسين شروطها قبل أي مفاوضات محتملة في المستقبل.
وأوضح الملاعب أنه على أرض الواقع قد يتوسع التقدم الإسرائيلي إذا لم يواجه مقاومة ميدانية كافية، وقد لا يقتصر الأمر على الوصول إلى نهر الليطاني أو السيطرة على المنطقة الواقعة جنوبه، بل قد يسعى الجيش الإسرائيلي إلى تأمين الضفة الأخرى من النهر وصولاً إلى منطقة الزهراني، بحيث تصبح هذه المساحات فارغة من السكان، مع محاولة إنشاء نقاط عسكرية فيها. وأضاف أن أطماع إسرائيل في مياه نهر الليطاني ليست جديدة، بل هي جزء من حساباتها الإستراتيجية منذ سنوات طويلة.
إلا أن الملاعب شدد في المقابل على أن الوقائع الميدانية لن تجعل هذا الاجتياح سهلاً. فبالعودة إلى الحرب الأخيرة التي استمرت 66 يوماً، لم يتمكن الجيش الإسرائيلي من البقاء إلا في مساحات محدودة جداً، كما أن سيطرته على التلال الخمس حصلت بعد توقيع وقف الأعمال العدائية يوم 27 تشرين الثاني 2024.
وأشار إلى أنه حتى لو تمكن الجيش اللبناني من نزع السلاح الثقيل جنوب نهر الليطاني، وهو ما اعتبره عملاً مهماً تمثل في تفكيك نحو 177 نفقاً وضبط أكثر من 230 ألف قطعة من الذخائر والأسلحة، فإن بعض القرى التي لم يدخلها الجيش اللبناني للتفتيش داخل المنازل ما تزال تحتوي على أسلحة فردية يمكن استخدامها في القتال.
وأوضح الملاعب أن طبيعة القتال في حال حصول مواجهة مباشرة ستجعل التفوق الجوي الإسرائيلي أقل تأثيراً، لأن المعركة عندها تصبح وجهاً لوجه، حيث تقل فعالية الطيران الحربي والمدفعية، وتصبح الأفضلية لمن يقاتل على أرضه وليس للجنود الاحتياطيين.
ولفت إلى أن المعارك الدائرة حالياً في بلدة الخيام تعكس هذا الواقع، إذ على الرغم من أن القوات الإسرائيلية سيطرت على مرتفعات في المنطقة، إلا أنها لا تزال تواجه صعوبة في الدخول إلى بعض الأحياء داخل البلدة. وأضاف أن التقدم الذي تحقق خلال الأسبوع الماضي تعرض لصدّ في ثلاث نقاط أساسية، كما تكبد الجيش الإسرائيلي خسائر في الآليات والعناصر.
ورأى الملاعب أن الصمود في الجنوب قد يبطئ تقدم القوات الإسرائيلية، وربما يدفعها إلى الإكتفاء بإقامة منطقة أمنية محدودة يتراوح عمقها بين ستة وعشرة كيلومترات، خاصة إذا اعتمدت إسرائيل استراتيجية الأرض المحروقة. وأشار في هذا السياق إلى أن نحو 15 قرية تقع على خط المواجهة الأمامي تعرضت لدمار واسع نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية.
وأضاف أن مسار المعركة قد يتغير تبعاً للتطورات الإقليمية، لافتاً إلى أن حزب الله دخل في هذه الحرب من دون موافقة الدولة اللبنانية ورغماً عنه، ما يجعل مسار الأحداث مرتبطاً أيضاً بطبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
وختم الملاعب بالقول إنه إذا بقيت الحرب ضمن حدودها الحالية، فلن تتمكن إسرائيل من الاحتفاظ بأراضٍ لبنانية على المدى الطويل. أما إذا توسع الصراع إقليمياً، فقد تحاول إسرائيل استخدام هذا التوغل العسكري للحصول على شروط سياسية إضافية من الدولة اللبنانية، قد تندرج ضمن مسار أوسع مرتبط بمسألة تطبيع العلاقات.
