
بقلم ندى جوني
بعد اندلاع الحرب بين اسرائيل وإيران في 28 شباط 2026 الماضي، تحوّل مضيق هرمز إلى شريان مخنوق يهدد أمن الطاقة العالمي ويرفع أسعار النفط، مما وضع الاقتصاد الدولي في مهب اضطرابات حادة. وفي ما اتجهت الأنظار أمس صوب الجولة الثالثة من المفاوضات السياسية الشاقة لحسم مسار الحرب، كان هناك فصل آخر مهم جداً وهو اللقاء بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ . فمع هبوط طائرة الرئاسة الأمريكية في بكين ، التقت النيران المشتعلة في الشرق الأوسط بأوراق الضغط الاقتصادي والتكنولوجي الباردة بين القطبين الكبيرين.
لم يكن لقاء دونالد ترامب وشي جين بينغ مجرد قمة دبلوماسية مؤجلة بسبب الحرب، بل كان اعترافاً ضمنياً بأن مفاتيح التهدئة أو التصعيد الإقليمي باتت مرتبطة بـ “مثلث ظلال” معقد يجمع واشنطن وبكين وطهران.
قمة بكين 2026: ما هي تفاصيل الزيارة ورسائلها المبطنة؟
هبطت طائرة الرئاسة الأميركية “إير فورس وان” في العاصمة الصينية بكين مساء الأربعاء 13 أيار 2026، حاملة دونالد ترامب في زيارته الرسمية الثانية بعد تسع سنوات من الغياب، والأولى لرئيس أمريكي منذ قرابة عقد. لكن هذه العودة، التي حظيت باستقبال رسمي واسع، لم تكن مجرد بروتوكول دبلوماسي؛ بل كانت خطوة مؤجلة، بعد أن فرضت الحرب المستعرة ضد إيران وإسرائيل قيود على حركة الاقتصاد والملاحة العالمية، مؤجلةً اللقاء حتى منتصف أيار 2026.
في مستهل القمة التي استمرت ليومين، بانت النوايا الأمريكية واضحة في فلسفة ترامب القائمة على الصفقات. لم يكن الوفد المرافق تقليدياً، بل تألف بشكل أساسي من كبار الرؤساء التنفيذيين لشركات أمريكية تبحث عن حلول لعقدها التجارية مع التنين الصيني. وفي مشهد يحمل طابعاً درامياً وثائقياً، كشفت المصادر أن ترامب طلب في اللحظة الأخيرة من “جينسن هوانغ”، الرئيس التنفيذي لشركة “إنفيديا” التي تقف في عين عاصفة “حرب الرقائق” العالمية وتكافح لانتزاع تراخيص لبيع رقائق الذكاء الاصطناعي (إتش 220)..
هذا الحشد الاقتصادي لخصه ترامب في منشور عبر منصته “تروث سوشال” قائلاً إنه سيطالب الرئيس شي جين بينغ، الذي وصفه بـ “الزعيم ذي المكانة الاستثنائية”، بـ “انفتاح” الصين كي يتسنى لهؤلاء الأشخاص الرائعين إظهار سحرهم، مؤكداً بأنه سيكون الطلب الأول له.
جاء الردّ الصيني سريعاً ومغلّفاً بالدبلوماسية الحذرة إذ أعلن المتحدث باسم الخارجية، قوه جيا كون، أن بكين على أتم الاستعداد توسيع نطاق التعاون وإدارة الخلافات، معتبراً القمة فرصة لـ “ضخ مزيد من الاستقرار واليقين في عالم مضطرب”. وفي كواليس اللقاءات أطلق الرئيس شي جين بينغ تصريحاً ثقيلاً واصفاً عام 2026 بأنه عام تاريخي ومفصليي العلاقات بين القطبين، مصراً على قاعدة أن التعاون يفيد الجانبين، بينما المواجهة تضر بهما.
ومع انتهاء الجولة، بدأت تتكشف ملامح الصفقات المتبادلة؛ حيث أعلن ترامب عن توافقات ملحوظة شملت تعهد بكين بعدم إرسال مساعدات عسكرية إلى إيران، وضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحاً للملاحة، مقابل موافقة الصين على شراء النفط الأمريكي، في محاولة لإعادة بناء الثقة الجيوسياسية.
ورغم تأكيدات ترامب المكررة للصحفيين بأن واشنطن لا تحتاج إلى مساعدة لحسم ملف الشرق الأوسط، إلا أن توقيت القمة المتزامن مع الجولة الثالثة من المفاوضات يشي بأن الكلمات المتبادلة تحت سقف بكين كانت ترسم خطوط الرجعة والتهدئة خلف الكواليس لإخماد النيران المشتعلة.
الحرب التجارية بين واشنطن وبكين: من صراع الأسواق إلى ملفات الشرق الأوسط
لا يمكن فهم كواليس قمة بكين 2026 دون العودة إلى جذور الخلاف التجاري والتكنولوجي المحتدم بين القطبين، وهو الصراع الذي بدأ كحرب رسوم جمركية شرسة في ولاية ترامب الأولى، ليتحول اليوم إلى عصب الكباش الجيوسياسي الذي يمتد من مصانع الساحل الصيني إلى جبهات المشرق العربي. ولعل لغة الأرقام هي الدليل الأبرز على هذا الشرخ؛ فقد شهد التبادل التجاري الثنائي تراجعاً حاداً في السنوات الأخيرة نتيجة القيود المتبادلة، لينخفض حجم التبادل إلى 414.7 مليار دولار العام الماضي، مقارنة بنحو 690.4 مليار دولار في عام 2022.
يفسر إصرار الرئيس الأميركي ترامب على تقليص العجز التجاري، بعد أن بلغت قيمة البضائع التي استوردتها واشنطن من الصين العام الماضي فائضاً يتجاوز 200 مليار دولار مقارنة بما صدّرته إليها. في المقابل لم يعد من الممكن فصل التجارة عن الحروب والمواجهات العسكرية في الشرق الأوسط. فالصين، التي تسعى جاهدة لتعزيز موقعها كمنافس رئيسي في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي، باتت في أشد الحاجة إلى الرقائق الإلكترونية الأمريكية المتقدمة.
وفي المقابل، فإن المخاوف الأمريكية من احتمال قيام الشركات الصينية بنقل أو سرقة هذه التكنولوجيا الحساسة دفعت واشنطن إلى تضييق الخناق وتشديد القيود على الصادرات.
هنا تحديداً تبرز أهمية وجود “جينسن هوانغ” ورائد الرقائق “إنفيديا” على متن طائرة ترامب؛ فالصين التي تواجه عقبات تنظيمية في الحصول على رقائق (إتش 220) القوية، تمتلك في المقابل ورقة المعادن الأرضية النادرة الضرورية للصناعات العسكرية والتكنولوجية الأمريكية المتقدمة، وهي ورقة سبق أن لوّحت بها بكين رداً على تعنت واشنطن.
يتقاطع هذا التنافس التكنولوجي والاقتصادي الحاد مع الدعم العسكري والسياسي في الشرق الأوسط. لسنوات طويلة، شكلت إيران بالنسبة للصين ورقة ضغط غير مباشرة؛ حيث تضمن بكين تدفق النفط الإيراني الرخيص والمخفض لتغذية مصانعها، في حين تشكل طهران وحلفاؤها جبهة استنزاف تشغل الإدارات الأمريكية بعيداً عن حقول النفوذ الصيني الحيوية في بحر الصين الجنوبي. إلا أن معادلة الدعم مقابل النفط لم تعد مجدية بعد المواجهة العسكرية الأخيرة بين إيران وإسرائيل، والتي أعاقت حركة الملاحة في مضيق هرمز.
خنقت الحرب تدفق النفط الإيراني وأدت إلى قفزات جنونية في أسعار الطاقة العالمية، وهو ما فرض ضغوطاً هائلة على النمو الاقتصادي الصيني.
بناءً على هذه المعطيات، تحول الدعم العسكري والسياسي في الشرق الأوسط من مجرد ورقة مناورة صينية إلى عبء اقتصادي يتطلب التهدئة. وفي المقابل، استخدم ترامب حاجة الصين للرقائق الأمريكية والملفات الزراعية كرافعة للضغط على بكين، مستغلاً نفوذها الاقتصادي الممتد لعقود في طهران لانتزاع تعهدات حاسمة بوقف الدعم العسكري، وتأمين الممرات المائية، مما يثبت أن فواتير الحرب التجارية القديمة يتمّ تسديدها الآن على حساب نفوذ القوى الإقليمية في الشرق الأوسط.
الملف التايواني والإيراني: مقايضات المصالح بين واشنطن وبكين
ظهرت الدبلوماسية الدولية بأوضح صورها كعملية مقايضة باردة بعد أن وضعت كل من واشنطن وبكين ملفين من أكثر الملفات حساسية وأمناً على طاولة واحدة: الملف الإيراني المشتعل، وملف جزيرة تايوان ذات الحكم الديمقراطي والتي تطالب الصين بالسيادة عليها. عكست هذه المعادلة الجيوسياسية المعقدة سياسة واحدة مقابل واحدة، بين ترامب ورئيس الصين؛ فتايوان تمثل قضية سيادية وجودية لبكين، في حين تشكل طهران ونفوذها الإقليمي وحروبها المستمرة الصداع الأمني الأكبر لواشنطن وحلفائها.
اتخذت إدارة ترامب نهجاً متبايناً ومثيراً للجدل تجاه عاصمة تايوان تايبيه. وافقت الإدارة على صفقات أسلحة ضخمة تضمنت حزمة بـ 14 مليار دولار أقرها الكونغرس لدعم دفاعات الجزيرة من جهة، لكن أبدى ترامب مراراً انخفاضاً في مستوى حماسه للدفاع العسكري المباشر عن الجزيرة في حال أقدمت بكين على أي تحرك محتمل من جهة أخرى. اعتمد ترامب اسلوب الغموض الإستراتيجي ، رغم رسائل التحذير والضغط التي وجهها أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي في مجلس الشيوخ لتأكيد دعم تايوان، لم يكن سوى ورقة مناورة كبرى. في المقابل، تدرك واشنطن أن بكين هي الطرف الوحيد القادر على ممارسة ضغط حقيقي وغير مسبوق على طهران لإجبارها على توقيع اتفاق ينهي موضوع الملف النووي، نظراً للشراكة الممتدة بينهما منذ عقود.
في النهاية، تؤكد قمة بكين 2026 أن مصير الحروب والتسويات في الشرق الأوسط بات مرتبطاً بشكل وثيق بالصفقات التجارية وحسابات القوة بين أمريكا والصين. ورغم الصراعات الدائرة في منطقة الشرق الأوسط منذ عقود، من الواضح أن مفاهيم التهدئة لم تعد مرتبطة بالقضايا الأيديولوجية بل عبر المبادلات التجارية والمحاصصة الإقتصادية الكبرى ومقايضات النفوذ الدولية.
