“ديمقراطيا” ينشر روايات خاصة تُكشف للمرة الأولى عن المفتي حسن خالد

بقلم راما الجراح

“مَن هو رئيس الدائرة؟”. عبارة لا تزال عالقة في ذاكرة رئيس دائرة الأوقاف الإسلامية في البقاع السابق الشيخ حسن شكر، كلما ذُكر أمامه اسم سماحة المفتي الشهيد حسن خالد.

يروي الشيخ شكر أنّ المفتي كان معروفاً بدقته الشديدة في متابعة المراسلات والمعاملات الإدارية، مهما كثرت الملفات التي تمرّ بين يديه. وفي إحدى المرات، وصل إلى دائرة الأوقاف كتاب من المفتي يستفسر فيه عن أحد المشايخ في البقاع الغربي، بعدما كان قد ابتعد عن العمل نتيجة بعض المشاكل. يومها، كتب الشيخ حسن شكر رأيه بالرجل، مؤكداً أنه رجل خلوق، ومشيراً إلى رغبته في عودته إلى العمل.

ويتابع أنه بعد الانتهاء من كتابة الرد، تولّى الشيخ علي القادري، رحمه الله، طباعة الرسالة كما جرت العادة. لكن عند كتابة التوقيع في أسفل المعاملة، حصل خطأ غير مقصود، فبدل أن يُكتب اسم “رئيس دائرة الأوقاف حسن شكر”، كُتب اسم الشيخ الذي تتحدث عنه الرسالة نفسها، ثم خُتم الكتاب ووُقّع وأُرسل إلى المفتي.

قرأ المفتي الرسالة، ولاحظ فوراً الخطأ الموجود في التوقيع والختم، فأعاد المعاملة مكتفياً بسؤال قصير: “من هو رئيس الدائرة؟”. ويقول الشيخ شكر ضاحكاً وهو يستعيد الحادثة: “لو مضى المفتي يومها على الكتاب مثل ما هو، لكان الزلمي صار رئيس دائرة”.

ويؤكد الشيخ شكر عبر موقع “ديمقراطيا” أن دقة المفتي لم تكن تعني الجمود أو التعالي، بل على العكس، كان من الأشخاص الذين إذا اقتنعوا بقضية يضعون رأسهم في الجبل ويزيلونه، لكنه في الوقت نفسه كان قادراً على التراجع عن أي موقف إذا شعر أنه أخطأ، وكان يفعل ذلك بارتياح ومن دون أي حساسية.

وفي رواية أخرى يرويها شكر عن المفتي حسن خالد، تعود الذاكرة إلى عام 1982، حين كانت الأوضاع الأمنية في لبنان شديدة التعقيد، وكانت مناطق واسعة من البقاع تفتقر إلى المدارس الثانوية الإسلامية، فيما كانت زحلة مقفلة بسبب الظروف الأمنية. يومها، بدأ الطلاب يتوافدون من مختلف المناطق إلى برالياس للدراسة في مدرسة كان صاحبها قد افتتحها كـ”سنتر” تعليمي، بعدما تعذر عليه الحصول على ترخيص رسمي بسبب عراقيل وضغوط من بعض الجهات.

في تلك الفترة، قصد الراحل محمد عمر عراجي الشيخ حسن شكر، وأبلغه أن الموضوع يحتاج إلى تدخل مرجعية بحجم مفتي الجمهورية. ورغم خطورة الطريق وظروف الاحتلال في بيروت حينها، توجّه الشيخ شكر إلى العاصمة والتقى المفتي حسن خالد، الذي تفاجأ بقدرته على الوصول وسط تلك الظروف.

استمع المفتي إلى تفاصيل القضية، ثم أجرى اتصالاته مباشرة لمعالجة الملف، وقال بوضوح خلال أحد الاتصالات: “هذه المدرسة للمفتي”. وبحسب الشيخ شكر، جاءه الرد يومها بأن طلب المفتي لا يمكن تجاوزه، وخاصة أنه منذ فترة، زاره رئيس الجمهورية آنذاك أمين الجميل، فخاطبه المفتي بوضوح قائلاً: “بدكن تنتبهوا لطلباتنا، ودار الفتوى مرجعية الكل”. ووافقت الجهة على منح المدرسة الترخيص الرسمي، وتمت تسميتها “الأمين” نسبةً إلى الرئيس أمين الجميل.

ولم يكن اهتمام المفتي مقتصراً على الملفات الكبرى، بل كان يتابع قضايا الناس الشخصية والإنسانية بحساسية عالية. ففي إحدى المرات، وصلت إليه شكوى بحق أحد المشايخ العاملين في دائرة الأوقاف في البقاع. أرسل يومها إلى الشيخ حسن شكر طالباً دراسة الملف. وفي اليوم التالي، توجّه شكر إلى بيروت وأبلغ المفتي بأن الشيخ مظلوم، وأنه تعرّض للضرب والإساءة.

استاء المفتي كثيراً مما سمعه، ولم يكتفِ بإنصاف الشيخ، بل طلب “جبر خاطره” وتكريمه، قبل أن يُنقل لاحقاً من مسجد إلى آخر لتخفيف التوتر. بالنسبة للمقرّبين منه، كانت هذه التفاصيل تكشف وجهاً آخر للمفتي حسن خالد، رجل يتابع حقوق الناس بنفس الجدية التي يتابع بها شؤون الدولة.

أما الرواية التي بقيت محفورة في ذاكرة أحد موظفي الأوقاف، فتعود إلى ما قبل عام تقريباً من استشهاد المفتي. يومها، وصل بشكل مفاجئ إلى دائرة أوقاف البقاع، من دون أي مواكبة تُذكر، وبرفقة السائق فقط، رغم دقة الوضع الأمني وخطورته بالنسبة لشخصية بحجمه.

يؤكد الموظف عبر “ديمقراطيا” أن حضوره أربك الجميع. دخل بهدوء، سأل عن مكان الوضوء، توضأ وجلس لبعض الوقت. عندها، توجّه إليه الشيخ حسن شكر قائلاً إن حضوره بهذه الطريقة ومن دون حماية أمر خطر، خاصة أن مخفر شتورا قريب وكان بالإمكان تأمين مواكبة له.
نظر المفتي إليه وأجابه بحزم: “إن الله يدافع عن الذين آمنوا”، ثم غادر بعدها إلى دائرة أوقاف البقاع في جلالا.

هكذا يرويه الذين عرفوه عن قرب، ليس فقط مفتياً للجمهورية، بل رجل دولة، وصاحب حضور وهيبة، وشخصية جمعت بين الدقة، والصلابة، والإنسانية، في واحدة من أصعب المراحل التي مرّ بها لبنان.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top