
بقلم ندى جوني
شهد الشرق الأوسط خلال السنوات الثلاث الماضية تحولات جذرية ومفصلية أعادت رسم موازين القوى وأنتجت واقعاً إقليمياً أكثر تعقيداً وعدم استقرار، حيث لم تعد الخريطة السياسية والأمنية في المنطقة على حالها السابق، بل باتت خاضعة لتوازنات متحركة وضغوط متصاعدة. وفي قلب هذه التحولات، برزت منطقة الخليج كمركز حساس في معادلة الأمن الإقليمي، بعدما كانت تُصنَّف لعقود باعتبارها الأكثر استقراراً نسبياً في الشرق الأوسط. غير أن التطورات المتسارعة، ولا سيما التوترات المرتبطة بمضيق هرمز وما يرافقه من اضطرابات متكررة في مسارات الطاقة العالمية، ساهمت في زعزعة جانب من هذا الاستقرار، مع ما يرافق ذلك من انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد وأسعار الطاقة. كما أن الهجمات والتصعيدات المتقطعة التي طالت قواعد ومصالح مرتبطة بالوجود الأميركي في المنطقة، في سياق المواجهة غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، أضافت طبقة جديدة من التعقيد على المشهد الأمني في الخليج.
علي الأمين: مجلس التعاون الخليجي يبقى صمام الأمان الوحيد في مواجهة التمدد الإيراني وتراجع الضمانات الأميركية
اعتبر الكاتب الصحفي والمحلل السياسي علي الأمين أن تراجع الضمانات الأمنية الأميركية لدول الخليج يطرح إشكالية قديمة متجددة تتمثل في قدرة القوى الإقليمية العربية على بناء منظومة أمن ذاتي مشتركة، في ظل التحولات الدولية المتسارعة وتراجع أدوار المؤسسات العربية التقليدية. وأشار الأمين إلى أن انكفاء منظومة جامعة الدول العربية خلال العقود الماضية لم يكن بلا أسباب موضوعية، إلا أن تداعيات هذا التراجع انعكست سلباً على المنطقة العربية، وفتحت الباب أمام تدخلات إقليمية واسعة وصلت إلى حد الإستباحة السياسية والأمنية، موضحاً أن قوى إقليمية مثل إيران وتركيا وإسرائيل استطاعت اختراق المنطقة العربية بصورة مؤثرة، ما أضعف الدول الوطنية وهدد استقرارها الداخلي.
ورأى أن مجلس التعاون الخليجي بقي الإطار العربي الأكثر تماسكاً، وشكّل على مدى سنوات عنصر تضامن وحماية لدول الخليج في مواجهة التحديات السياسية والأمنية. وأضاف أن أي خلل داخل هذه المنظومة قد يدفع بعض الدول الخليجية إلى البحث عن تحالفات منفردة أو اتفاقيات ثنائية مع قوى إقليمية ودولية، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على النظام الخليجي المشترك.
وأكد الأمين أن الإتفاقيات المنفردة، مهما وفرت من مصالح آنية، لن تمنح الدول الخليجية مستوى الأمان والاستقرار الذي تؤمنه المقاربة الجماعية داخل مجلس التعاون، مشيراً إلى أن دول الخليج تحاول اليوم خلق توازنات دولية عبر توسيع علاقاتها مع كل من الولايات المتحدة والصين وروسيا، إلا أن الركيزة الأساسية للأمن الخليجي تبقى، بحسب تعبيره، التفاهم الاستراتيجي المنسجم بين دول مجلس التعاون.
وفي ما يتعلق بإيران، اعتبر الأمين أن طبيعة النظام القائم فيها تجعل من الصعب توقع استقرار حقيقي في منطقة الخليج طالما استمرت السياسات القائمة على التمدد والإختراق وبناء الأذرع الإقليمية. وأوضح أن الجدل لا يزال قائماً حول ما إذا كانت هذه السياسة مرتبطة بطبيعة النظام الأيديولوجي الحالي أم بطبيعة الدولة الإيرانية نفسها، إلا أن التجارب السابقة في العراق ولبنان واليمن أظهرت، بحسب رأيه، أن الدور الإيراني اتخذ طابعاً تخريبياً أكثر منه بنّاء.
وختم الأمين بالتأكيد أن أي إمكانية لقيام تعاون إقليمي مستقر مع إيران تبقى مرتبطة بمدى اندماجها ضمن منظومة المصالح الدولية والإقليمية وقواعد التنافس السياسي والاقتصادي، معتبراً أن استمرار النهج الحالي سيُبقي الخليج أمام تحديات أمنية مفتوحة في المرحلة المقبلة.
محمد فحيلي: التوتر في الخليج يرفع كلفة الطاقة ويعيد رسم الاقتصاد العالمي ويضغط على لبنان
يرى الخبير في المخاطر المصرفية والباحث الاقتصادي محمد فحيلي أن الحروب المعاصرة لم تعد تقتصر على المواجهات العسكرية التقليدية، بل تحولت إلى حروب اقتصادية منظمة تُدار عبر أوراق الطاقة، والعقوبات المالية، وسلاسل الإمداد، وارتفاع كلفة المخاطر، مما يضع الدول الهشة في حالة استنزاف مستمر وضمن نظام دولي جديد تحولت فيه الطاقة إلى أداة ضغط والعقوبات إلى وسيلة خنق مالي. وفي هذا السياق، تظهر التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في مضيق هرمز والتصعيد مع إيران كعوامل لم تؤثر مباشرة على حجم إنتاج النفط حتى الآن، لكنها أعادت تشكيل البنية الكاملة لتسعير الطاقة عالمياً نتيجة الارتفاع الحاد في كلفة الشحن البحري وبوالص التأمين، مما يستدعي الفصل بين السعر الظاهر للنفط في الأسواق العالمية والسعر الفعلي الذي يصل للمستهلك النهائي متأثراً بتلك المخاطر؛ وهو تحول امتد ليشمل مختلف السلع الأساسية مسبباً تضخماً عالمياً، في وقت تراجعت فيه فاعلية منظمة “أوبك” في ضبط السوق لصالح حساسية الأسواق للممرات المائية، مما عزز مجدداً موقع الدولار الأمريكي كملاذ آمن للمستثمرين وقت الأزمات.
وفي قلب هذا المشهد، يتأثر لبنان مباشرة بهذه التحولات الدولية دون القدرة على التأثير فيها، إذ يترجم أي ارتفاع في كلفة النفط والشحن عالمياً إلى قفزات في أسعار السلع والتضخم محلياً كونه اقتصاداً يعتمد أساساً على الاستيراد، وينعكس هذا التأثير بحدة أكبر نظراً لورطة لبنان الراهنة المتمثلة في أزمته المصرفية العميقة، وسيادة الاقتصاد النقدي، وضعف الثقة المالية، فضلاً عن إدراجه على اللائحة الرمادية، مما يجعله شديد الحساسية تجاه أي تصعيد أو تشدد في العقوبات. ورغم محاولات مصرف لبنان الحفاظ على حد من الاستقرار النقدي عبر التعميمين 158 و166، إلا أن هذا الاستقرار يبقى مؤقتاً ومبنياً على تدفقات خارجية محدودة لا على تعافٍ اقتصادي حقيقي، ليخلص فحيلي إلى أن الخطر الأساسي الحقيقي على لبنان اليوم ليس الحرب العسكرية المباشرة، بل هو حالة الاستنزاف البطيء الناتجة عن ارتفاع كلفة المخاطر عالمياً والتآكل التدريجي للقدرة الاقتصادية والاجتماعية على الصمود.
