
بقلم ياسمين شعبان
من فيديو عفوي صوّره بهاتفه المحمول داخل محل كرواسان صغير في طرابلس، إلى ملايين المشاهدات وشراكات مع علامات تجارية عالمية في دبي، رسم صانع المحتوى اللبناني جاد فواز مسارًا مختلفًا في عالم الـFood Blogging، معتمدًا على البساطة والصدق وتقديم محتوى يضع مصلحة المتابع قبل أي اعتبار آخر. وبين الحفاظ على هويته الطرابلسية ومواكبة سوق شديد التنافس، استطاع أن يحوّل شغفه بالطعام إلى مسيرة مهنية امتدت من لبنان إلى الإمارات، قبل أن يؤسس أيضًا شركة متخصصة في التسويق الرقمي.
وفي حديثٍ خاص لموقع “ديموقراطيا نيوز”، يروي جاد فواز تفاصيل بداياته، وأبرز المحطات التي صنعت نجاحه، والتحديات التي واجهها في الانتقال من السوق اللبناني إلى سوق عالمي مثل دبي، ورؤيته للمحتوى الذي يقدّمه اليوم.
ويقول فواز إن رحلته بدأت من مدينة طرابلس، عندما قرر تصوير فيديو بسيط عن محل كرواسان افتُتح حديثًا ولم يكن معروفًا آنذاك. ويوضح أنه لم يكن يمتلك أي خبرة في التصوير أو المونتاج، ولم يكن لديه متابعون، بل كان كل ما يملكه هاتفًا محمولًا وشغفًا كبيرًا بالطعام.
ويضيف أن الفيديو حقق نحو 30 ألف مشاهدة، وهو رقم اعتبره حينها إنجازًا كبيرًا، إلا أن ما ترك الأثر الأكبر فيه كان انعكاس الفيديو على صاحب المحل، الذي أخبره لاحقًا أن حركة الزبائن ازدادت بشكل ملحوظ حتى أصبح يبيع كامل إنتاجه اليومي من الكرواسان. ويؤكد أن هذه اللحظة كانت الدافع الحقيقي الذي أقنعه بالاستمرار، بعدما شعر بأنه استطاع دعم مشروع محلي صغير من خلال محتوى بسيط وعفوي.
بعد ذلك، بدأ يوسّع دائرة زياراته للمطاعم، مركزًا على المطاعم الصغيرة والمتوسطة أكثر من العلامات التجارية الكبيرة، معتمدًا أسلوبًا مباشرًا وصريحًا في تقديم المحتوى، بعيدًا عن المبالغة أو الإنتاج الضخم. ويشير إلى أن هذا الأسلوب كان مختلفًا عن السائد في السوق اللبناني، الأمر الذي ساعده على بناء علاقة ثقة مع جمهوره.
ويؤكد فواز أنه كان يحرص على الرد على جميع التعليقات، سواء الإيجابية أو السلبية، معتبرًا أن النقد جزء أساسي من تطوير المحتوى، وأن الشفافية والصراحة كانتا من أهم أسباب نجاحه واستمرار جمهوره في متابعته.
كما يشير إلى أن صناعة المحتوى لم تكن بالنسبة إليه مشروعًا تجاريًا في البداية، بل هواية نابعة من حب الطعام، لكنه اكتشف مع الوقت أن النجاح يحتاج إلى الاستمرارية والانضباط واستثمار حقيقي في الوقت والجهد، موضحًا أنه جعل التصوير أولوية في حياته اليومية، حتى بات يختار وجهاته بناءً على المحتوى الذي يستطيع تقديمه.
ويستذكر تجارب عدة ساهمت فيها فيديوهاته في زيادة الإقبال على مطاعم صغيرة في طرابلس وجبيل، وهو ما عزز لديه القناعة بأن المحتوى يمكن أن يصنع فارقًا حقيقيًا لأصحاب المشاريع الصغيرة.
وعن انتقاله إلى دبي، يوضح فواز أنه توقف لفترة عن صناعة المحتوى بعد انتقاله للعمل هناك، لأنه لم يشعر بالحماس نفسه الذي كان يعيشه في لبنان، قبل أن يتلقى عرضًا للتعاون من سلسلة Wingstop العالمية، وهو ما شكّل نقطة العودة إلى المجال.
ويؤكد أن المنافسة في دبي أكثر صعوبة، نظرًا لوجود صناع محتوى من مختلف الجنسيات واللغات، إضافة إلى التنوع الكبير في المطابخ العالمية، لذلك قرر الحفاظ على هويته اللبنانية، مع تطوير أفكار جديدة تناسب السوق الإماراتي، والتركيز على إبراز المطبخ اللبناني أمام جمهور أوسع.
وفي هذا الإطار، يستذكر فواز تجربته مع الكعكة الطرابلسية، مشيرًا إلى أن الفيديوهات التي نشرها عنها في دبي حققت انتشارًا واسعًا وأسهمت في زيادة الإقبال عليها، الأمر الذي دفع عددًا من المطاعم والمقاهي إلى إدراجها ضمن قوائم الطعام الخاصة بها بعد أن لم تكن موجودة بالشكل نفسه. ويعتبر أن هذه التجربة أكدت له أن صانع المحتوى يستطيع أن يساهم في نقل المطبخ اللبناني إلى أسواق جديدة، وأن يحافظ في الوقت نفسه على هويته الثقافية.
ومن أبرز الأفكار التي ميّزت محتواه، دمج المقابلات السريعة في الشارع مع مراجعات المطاعم، إذ كان يسأل أشخاصًا من جنسيات مختلفة عن أفضل المطاعم التي ينصحون بها، ثم يذهب لتجربتها بنفسه، مؤكدًا أن هذه الفكرة حققت انتشارًا واسعًا، إذ تجاوزت أول عشرة فيديوهات ملايين المشاهدات، وأسهمت في زيادة عدد متابعيه بشكل كبير.
ولاحقًا، وسّع نطاق المحتوى ليشمل المقارنات بين المطاعم في دول مختلفة، مثل مقارنة الشاورما بين دبي والرياض، وتجربة المطاعم الإيطالية في دبي وفق المعايير الأصلية في نابولي، إلى جانب تجربة مطاعم لبنانية في دول عربية مختلفة بناءً على ترشيحات الجمهور.
ومع توسع مجتمعه الرقمي، أطلق مبادرات كنوع من رد الجميل لمتابعيه، من خلال تنظيم مسابقات وتقديم جوائز شملت تذاكر سفر وأجهزة إلكترونية وغيرها، في خطوة هدفت إلى تعزيز التفاعل مع الجمهور.
ويشدد فواز على أن الفلسفة التي يعتمدها في صناعة المحتوى تقوم على أن تكون مصلحة المتابع هي الأولوية، وليس مصلحة المطعم، موضحًا أن هدفه الأساسي هو مساعدة الجمهور على اتخاذ القرار الصحيح، وإذا استفادت المطاعم من ذلك أيضًا فإن هذا يشكل قيمة مضافة، لكنه ليس الهدف الأساسي.
ويضيف أنه حتى في المحتوى الإعلاني لا يتردد في التعبير عن رأيه الحقيقي إذا لم تعجبه تجربة معينة، لأن الحفاظ على المصداقية بالنسبة إليه أهم من أي تعاون تجاري.
وعن أبرز التحديات، يلفت إلى أن الانتقال من مدينة صغيرة مثل طرابلس إلى مدينة عالمية مثل دبي فرض عليه منافسة أكبر بكثير، سواء من حيث عدد صناع المحتوى أو اختلاف الجمهور أو القوانين المنظمة للعمل، إضافة إلى ضرورة مخاطبة جمهور متعدد الجنسيات وعدم الاكتفاء بالمحتوى الموجه للبنانيين.
ويعتبر أن أصعب تحدٍ واجهه طوال رحلته كان الحفاظ على الاستمرارية والانضباط، لأن النجاح في صناعة المحتوى لا يتحقق بفيديو ناجح واحد، بل يحتاج إلى عمل يومي متواصل وتطوير دائم للأفكار.
ويختم فواز بالتأكيد أنه حرص طوال مسيرته على الحفاظ على هويته الطرابلسية واللبنانية، سواء في لهجته أو أسلوبه، رافضًا الانجرار نحو التصنع، ومعتبرًا أن هذه العفوية كانت العامل الأبرز في بناء الثقة مع جمهوره. كما كشف أنه، إلى جانب عمله في صناعة المحتوى، أسس شركة متخصصة في التسويق الرقمي، يقسم من خلالها وقته بين صناعة المحتوى وإدارة الحملات التسويقية للمطاعم والعلامات التجارية، مستفيدًا من الخبرة التي اكتسبها طوال سنوات عمله في هذا المجال.
