
بقلم شادي هيلانة
في لحظة تحمل أكثر من بُعد اقتصادي وسياسي، عادت نقطة المصنع الحدودية إلى واجهة المشهد اللبناني، ليس فقط كممر لعبور الشاحنات والبضائع، إنما كعنوان لمرحلة جديدة تبحث فيها بيروت عن استعادة موقعها داخل الأسواق الخليجية، بعدما شكّل ملف الصادرات الزراعية خلال السنوات الماضية إحدى العقد التي أثّرت في العلاقة الاقتصادية مع المملكة العربية السعودية، فجاء تشغيل جهاز السكانير في المصنع بحضور وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني ممثلاً رئيس الحكومة نواف سلام، إلى جانب السفير السعودي في لبنان ورئيس المجلس الأعلى للجمارك، كخطوة تحمل رسالة واضحة حول محاولة إعادة بناء الثقة عبر إجراءات رقابية أكثر صرامة وتنظيماً، كون الثقة في الأسواق الخارجية لا تُبنى فقط عبر القرارات السياسية، وإنما عبر قدرة الدولة على حماية سمعة منتجاتها ومنع أي تجاوزات قد تضرب علاقاتها التجارية.
ويشير الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة في حديث لـ”ديمقراطيا نيوز” إلى أن إعادة استئناف التصدير نحو المملكة العربية السعودية تحمل انعكاسات اقتصادية وسياسية إيجابية للبنان، لافتاً إلى أن عام 2020، أي السنة الأخيرة قبل قرار الحظر على المنتجات اللبنانية، شهد وصول قيمة الصادرات اللبنانية إلى السعودية إلى نحو 240 مليون دولار، وكان أكثر من 20 في المئة منها مرتبطاً بالمنتجات الزراعية، الأمر الذي يجعل عودة الحركة التجارية مع المملكة فرصة لإدخال العملات الأجنبية إلى السوق اللبنانية، واستعادة جزء من الحضور اللبناني في الخليج، حيث تحتل السعودية موقعاً اقتصادياً وسياسياً محورياً داخل المنطقة.
ويضيف عجاقة أن هذه الخطوة يمكن أن تمنح القطاع الزراعي في لبنان مساحة جديدة من الاستقرار، خصوصاً في مناطق أساسية مثل عكار والبقاع، حيث تشكّل الزراعة مصدر دخل رئيسياً لعدد كبير من العائلات، مشيراً إلى أن انتظام التصدير سيؤدي مع مرور الوقت إلى تعزيز ثقة المستثمرين وفتح المجال أمام حركة اقتصادية أكثر توازناً، بعد سنوات من الضغوط التي أصابت هذا القطاع.
غير أن عجاقة يشدد على أن تشغيل السكانير يجب أن يكون بداية لمسار رقابي كامل، وليس إجراء منفرداً ينتهي عند حدود المصنع، فالرهان الحقيقي يبقى على قدرة الدولة اللبنانية على تعزيز التفتيش وضبط المعابر ومنع عودة شبكات التهريب التي تسببت بأزمات سابقة، لأن أي خرق جديد في ملف الصادرات قد يعيد لبنان إلى نقطة الصفر ويغلق أمامه فرصة استعادة الأسواق الخليجية.
ويحذر عجاقة من خطورة استمرار أي مظاهر فساد داخل بعض الأجهزة أو تمرير معاملات مخالفة، خصوصاً في الملفات المرتبطة بشهادات المنشأ والتهريب ومحاولات إدخال بضائع أو منتجات تحمل مخالفات إلى الأسواق الخارجية، داعياً إلى ملاحقة العصابات التي تعمل على تشويه صورة لبنان التجاري، والتأكد من أن كل شحنة تغادر الأراضي اللبنانية تحمل مواصفات تحمي اسم المنتج اللبناني وتمنح الشركاء الدوليين سبباً إضافياً للثقة.
فالمصنع اليوم لا يمثل مجرد نقطة حدودية بين لبنان وسوريا، إنما اختباراً لقدرة الدولة على تحويل الإجراءات الأمنية والرقابية إلى قاعدة اقتصادية ثابتة، تعيد وصل لبنان بالخليج وتمنح قطاعاته الإنتاجية فرصة للخروج من سنوات الانكماش نحو مرحلة تقوم على الانضباط وحماية المصالح الوطنية.
