الدوسري في قلب المشهد اللبناني… نشاط سعودي متصاعد أم ديناميكية تفرضها المرحلة ؟

بقلم راما الجراح

لم يحتج السفير السعودي الجديد في لبنان فهد بن عبد الرحمن الدوسري إلى وقت طويل ليدخل المشهد اللبناني من بابه السياسي. فمنذ تسلمه مهماته، تتكثف لقاءاته واتصالاته مع المسؤولين والقيادات السياسية، في حركة لافتة تعيد إلى الواجهة صورة السفير السعودي الحاضر في تفاصيل المشهد اللبناني، بعدما خفت هذا الحضور لفترة، ولا سيما مقارنةً بالمرحلة التي طبعت مهمة سلفه وليد البخاري.الدوسري لا يتحرك في اتجاه واحد. فمن السراي الحكومي إلى القيادات السياسية والمؤسسات الأمنية، وصولاً إلى الملفات الاقتصادية والحدودية، تتوزع جولاته على أكثر من مستوى. وفي الفترة الأخيرة، التقى رئيس الحكومة نواف سلام، وشخصيات سياسية بينها سمير جعجع، سامي الجميل، فؤاد مخزومي وأشرف ريفي، فيما حملت جولته على معبر المصنع بعداً اقتصادياً واضحاً، مع الاطلاع على حركة الصادرات اللبنانية إلى المملكة ودول الخليج.هذه الحركة تعيد تلقائياً إلى الذاكرة مرحلة السفير وليد البخاري، الذي كان حضوره السياسي خلال سنوات مهمته في بيروت من أبرز الحضور الدبلوماسي العربي في لبنان. ولم تقتصر لقاءاته على المسؤولين الرسميين، بل شملت مختلف القوى والكتل السياسية، وبرز اسمه بقوة خلال الاستحقاق الرئاسي وفي اجتماعات اللجنة الخماسية.لكن هل نحن أمام عودة سعودية إلى نمط الحضور الذي عرفه لبنان في عهد البخاري، أم أن كثافة حركة الدوسري مرتبطة بمرحلة مختلفة؟ فالظروف التي يتحرك فيها السفير الجديد ليست هي نفسها التي كانت قائمة خلال السنوات الماضية. لبنان أمام مرحلة سياسية جديدة، فيما تشهد المنطقة تحولات متسارعة، وتبرز ملفات سيادية وأمنية واقتصادية شديدة الحساسية، بالتوازي مع محاولة الدولة اللبنانية استعادة حضورها ودورها.في هذا السياق، قد لا يكون النشاط السعودي المتجدد مجرد استعادة لنمط دبلوماسي سابق، بل جزءاً من قراءة سعودية لمرحلة تحتاج إلى حضور ومتابعة واتصالات مباشرة مع مختلف الأطراف اللبنانية. واللافت أن حركة الدوسري لا تقتصر على السياسة. فإلى جانب التواصل مع القيادات، يحضر الاقتصاد والأمن والحدود والمؤسسات الرسمية، بما يوحي بأن العلاقة السعودية ـ اللبنانية يجري التعامل معها من أكثر من زاوية، وليس من بوابة سياسية واحدة. كما أن تنوع الشخصيات التي يلتقيها الدوسري يحمل رسالة واضحة، إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع مختلف القوى اللبنانية، بالتوازي مع التأكيد على دعم الدولة ومؤسساتها والعلاقات التاريخية بين بيروت والرياض.وبين صورة البخاري الذي كان اسمه حاضراً بقوة في الملفات السياسية اللبنانية، وصورة الدوسري الذي بدأ يرسم حضوره الخاص عبر سلسلة لقاءات متسارعة، تبدو بيروت أمام مشهد سعودي أكثر نشاطاً من المرحلة السابقة. فهل يكون هذا النشاط مقدمة لمرحلة جديدة من الحضور السعودي في لبنان، أم أن الدوسري يتحرك ببساطة ضمن مقتضيات مرحلة سياسية وأمنية استثنائية؟المؤكد حتى الآن أن السفارة السعودية في بيروت استعادت زخماً واضحاً على مستوى الحركة والاتصالات، وأن السفير الجديد اختار منذ البداية أن يكون حاضراً في أكثر من ملف وأكثر من دائرة. أما ما إذا كان هذا الحضور سيتحول إلى دور سياسي أكثر تأثيراً، فذلك ستحدده المرحلة المقبلة، وما ستشهده الساحة اللبنانية من استحقاقات وتطورات.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top