
بقلم ياسمين شعبان
يدخل لبنان مرحلة سياسية وأمنية دقيقة، تتقاطع فيها الضغوط الميدانية الإسرائيلية مع محاولات إبقاء المسار التفاوضي مفتوحاً، وسط ترقب للجولة المقبلة من المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية المرتقبة مطلع أيلول في روما. وبين استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، والبحث في ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب، وملف حصرية السلاح وانتشار الجيش اللبناني، تبدو المرحلة أبعد من مجرد مفاوضات تقنية، لتلامس مستقبل المعادلة الأمنية والسياسية على الحدود الجنوبية.
ويأتي هذا المسار بالتوازي مع الحراك الدبلوماسي لرئيس الجمهورية جوزاف عون في روما والفاتيكان، في محاولة لتعزيز الدعم الدولي للموقف اللبناني، وتوسيع الدور الأوروبي في الدفع نحو الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات، بالتزامن مع بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها وحصر قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الشرعية.
وفي حديث خاص لموقع “ديموقراطيا نيوز”، يرى الكاتب والباحث السياسي الدكتور ربيع دندشلي أن لبنان يعيش اليوم “مرحلة تفاوض تحت الضغط، لا مرحلة حرب مفتوحة ولا مرحلة تسوية مكتملة”، مشيراً إلى أن وجود مسار سياسي تفاوضي واضح لا يعني بالضرورة تراجع التصعيد، بل إن الميدان أصبح جزءاً من العملية التفاوضية نفسها.
ويعتبر دندشلي أن المسارين السياسي والميداني ليسا متناقضين، إذ قد يشهد لبنان تصعيداً إضافياً بالتوازي مع استمرار المفاوضات، لافتاً إلى أن السؤال الأساسي يتعلق بالهدف من هذا التصعيد: هل يُستخدم للوصول إلى تسوية أم لإفشالها؟
وبحسب دندشلي، لا تزال الولايات المتحدة متمسكة بالمسار السياسي، فيما تتجه الأنظار إلى الجولة المقبلة في روما مطلع أيلول، إلا أن نجاحها يحتاج إلى الانتقال من “إدارة النزاع” إلى تنفيذ خطوات متبادلة وملموسة على الأرض.
وعلى المستوى الداخلي، يلفت إلى تحول في مقاربة الدولة اللبنانية للملف، بعدما أكدت الحكومة أن قرار الحرب والسلم وحصرية السلاح يقعان ضمن صلاحيات الدولة، بالتوازي مع تمسك لبنان بضرورة الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات. أما بالنسبة إلى العقد التي تواجه الجولة المقبلة، فيرى دندشلي أن المشكلة لم تعد في مبدأ التفاوض بحد ذاته، وإنما في ترتيب الخطوات وتسلسلها.
فلبنان يريد، بحسب دندشلي، أن يرى انسحاباً إسرائيلياً فعلياً ووقفاً للاعتداءات وتدمير القرى، إلى جانب تحقيق تقدم في ملف الأسرى وإعادة الإعمار. في المقابل، تربط إسرائيل الانسحاب بالتحقق من نزع سلاح حزب الله والبنى العسكرية غير التابعة للدولة. ويشرح أن جوهر المأزق يكمن في أن إسرائيل تطرح عملياً معادلة “نزع السلاح أولاً ثم الانسحاب”، في حين لا يستطيع لبنان السير في مسار يبدو فيه وكأنه يقدم جميع أوراقه مسبقاً فيما الاحتلال والعمليات العسكرية مستمران.
ولا تقتصر العقد، وفق دندشلي، على تسلسل الخطوات، بل تشمل أيضاً “آلية التحقق الدولية”، والجهة التي ستتولى التأكد من إخلاء المناطق من السلاح والبنى العسكرية، إضافة إلى طبيعة صلاحيات هذه الآلية وحدود عملها. ورغم هذه التعقيدات، يعتبر دندشلي أن فرص الاختراق لا تزال قائمة، لكنه يتوقع “اختراقاً تدريجياً لا اتفاقاً شاملاً دفعة واحدة”، يقوم على توسيع المناطق النموذجية، وانسحاب إسرائيلي مقابل انتشار الجيش اللبناني، ووضع آلية تحقق متفق عليها، قبل الانتقال إلى مناطق إضافية. ويرى أن نجاح منطقة نموذجية ثانية أو ثالثة على الأرض قد يكون في هذه المرحلة أكثر أهمية من أي إعلان سياسي كبير لا يجد طريقه إلى التنفيذ.
وفي قراءته لمسار المفاوضات، يعتبر دندشلي أنها تجاوزت عملياً مسألة وقف إطلاق النار والانسحاب، وأصبحت تبحث في “هندسة أمنية جديدة للجنوب”، لناحية الجهة التي ستنتشر على الأرض، ومن يحمل السلاح، وكيف تتم عملية التحقق، وما هي الترتيبات التي يمكن اعتمادها مستقبلاً، فضلاً عن الضمانات الأمنية على جانبي الحدود.
وفي هذا السياق، يشدد دندشلي على ضرورة التمييز بين مطلب إسرائيل المتعلق بسلاح حزب الله وبين المبدأ اللبناني القائم على حصرية السلاح، مؤكداً أن “حصرية السلاح ليست هدية لإسرائيل”، بل قضية لبنانية ترتبط بإعادة بناء الدولة وسيادتها وامتلاكها قرار الحرب والسلم.
وفي المقابل، يحذر من تحويل هذا القرار اللبناني إلى وسيلة لإدامة الاحتلال، معتبراً أن المعادلة القادرة على إنتاج استقرار حقيقي يجب أن تقوم على تلازم الخطوات، بحيث يقابل تقدم الدولة في بسط سلطتها انسحاب إسرائيلي ووقف للاعتداءات وعودة السكان وإطلاق مسار إعادة الإعمار.
وعن التصعيد الإسرائيلي، يرى دندشلي أن تل أبيب تعتمد إلى حد بعيد على التفاوض من خلال صناعة وقائع ميدانية، إذ يمنحها استمرار الضربات والاحتفاظ بمواقع داخل الأراضي اللبنانية أوراق ضغط إضافية قبل كل جولة تفاوضية. لكن دندشلي يعتبر أن لهذا الضغط حدوداً، لأن اقتناع لبنان بأنه يقدم خطوات من دون الحصول على مقابل سيؤدي إلى إضعاف شرعية المسار التفاوضي داخلياً، وهو أمر لا يصب حتى في مصلحة الوسيط الأميركي.
ومن هنا، يشدد على ضرورة استمرار لبنان في المفاوضات مع التمسك بمبدأ “التبادلية”، بحيث تقابل كل خطوة لبنانية خطوة إسرائيلية ملموسة، بدلاً من تحول العملية إلى مسار من التنازلات الأحادية. ويعتبر أن وقف التفاوض لن يكون بالضرورة في مصلحة لبنان، خصوصاً أن العودة إلى الميدان وحده، في ظل ميزان القوى الحالي، ستكون أكثر كلفة على لبنان من الاستمرار على طاولة المفاوضات.
وفي موازاة ذلك، يولي الكاتب والباحث السياسي الدكتور ربيع دندشلي أهمية خاصة لزيارة الرئيس جوزاف عون إلى روما والفاتيكان، معتبراً أنها لا تندرج في الإطار البروتوكولي فقط، بل تكتسب أهمية سياسية في ضوء الملفات المرتبطة بالجنوب والمفاوضات والاعتداءات الإسرائيلية ومستقبل الترتيبات الأمنية.
ويرى دندشلي أن أهمية إيطاليا تكمن في جمعها أكثر من عنصر في الوقت نفسه، فهي دولة أوروبية تربطها علاقات جيدة بلبنان، ولديها حضور عسكري طويل في الجنوب، فضلاً عن امتلاكها قنوات مع الولايات المتحدة وإسرائيل واستضافتها للمفاوضات.
لكنه يستبعد أن تتمكن روما من الحلول مكان واشنطن باعتبارها الوسيط الأساسي والجهة الأكثر قدرة على التأثير في إسرائيل، مشيراً إلى أن الدور الإيطالي والأوروبي يمكن أن يشكل مظلة سياسية إضافية للمفاوضات، وأن يساهم في دعم الجيش اللبناني وآليات التحقق وممارسة الضغط الدبلوماسي، إضافة إلى المساعدة في ربط الانسحاب بمرحلة إعادة الإعمار.
وبالتالي، يرى دندشلي أن روما قد تتجاوز مستقبلاً كونها مكاناً لاستضافة المفاوضات، لتؤدي دوراً ضمن الضمانات السياسية والأمنية التي يمكن أن ترافق مرحلة ما بعد أي اتفاق.
ويخلص الكاتب والباحث السياسي الدكتور ربيع دندشلي إلى أن لبنان يقف أمام خيارين أساسيين: إما تحويل المفاوضات إلى مسار تستعيد من خلاله الدولة تدريجياً الأرض والسيادة وقرار الحرب والسلم، وإما العودة إلى معادلة الميدان حيث لا يعمل ميزان القوى لمصلحة لبنان.
ويختصر دندشلي اختبار المرحلة بالقول إن المسألة لم تعد “هل نفاوض أم لا؟”، بل “كيف نفاوض، وعلى ماذا نحصل مقابل كل خطوة نقدمها؟”، معتبراً أن هذا تحديداً سيكون الاختبار الحقيقي لجولة أيلول المقبلة.
