
بقلم ملاك الصميلي
في لحظة لبنانية تتصاعد فيها الهواجس حول مستقبل لبنان ووحدة أراضيه، يستعد “تجمّع دولة لبنان الكبير” لإقامة لقاء وطني في مدينة طرابلس، لمناسبة الذكرى السادسة بعد المئة لإعلان دولة لبنان الكبير، برعاية وحضور البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، وبمشاركة شخصيات روحية وسياسية ورسمية وأمنية وفعاليات من مختلف المناطق.
ولا تأتي المناسبة هذه السنة كمجرد استذكار لمحطة تاريخية، بل تفتح نقاشًا يتصل بجوهر الصيغة اللبنانية، ومستقبل العيش المشترك، ومخاطر التقسيم والفيدرالية، ومدى نجاح اللبنانيين، بعد أكثر من قرن، في الانتقال من إعلان الدولة إلى بناء دولة المواطنة والمؤسسات.
وفي هذا السياق، رأت الأميرة حياة أرسلان، في حديث لـ”ديمقراطيا نيوز”، أن لبنان الكبير يعني اللبنانيين اليوم أكثر من أي وقت مضى، في ظل المخاوف والهواجس المتزايدة بشأن بقاء هذا الكيان كبيرًا وموحدًا، ولا سيما مع تصاعد الحديث عن الفيدرالية والتقسيم وطروحات لا تقود، برأيها، إلى مكان جيد للبنان.
وأكدت أرسلان ضرورة الحفاظ على لبنان بجغرافيته وديموغرافيته وتنوّعه، محذّرة من أن أي تغيير في هذه العناصر من شأنه أن يبدّل هويته ويجرّده من تميّزه، ولذلك تكتسب استعادة ذكرى إعلان دولة لبنان الكبير أهمية أساسية في هذا التوقيت.
وأشارت إلى وجود خوف كبير على بقاء لبنان دولة واحدة متماسكة في ظل الظروف الراهنة، لافتة إلى أن الجميع يشعر بخطر تحولات جوهرية وكبيرة قد تمسّ كيانات المنطقة، فيما يبقى لبنان، بوصفه الحلقة الأضعف، أكثر عرضة للاستباحة، سواء لناحية حدوده أو لناحية تفتيت جغرافيته.
وقالت أرسلان إن ميزة لبنان تكمن في كونه بلدًا متنوعًا وغنيًا ورسالة بين البشر، موضحة أن هناك دولًا كثيرة تقوم هويتها على انتماء ديني واحد، لكنها لا تمتلك التميّز الموجود في لبنان، لأن أهمية اللبنانيين تكمن في قدرتهم على أن يكونوا متنوعين ومنسجمين في الوقت نفسه.
وأضافت أن لبنان مرّ ولا يزال يمرّ بحروب وأزمات، إلا أن هذه الصراعات ليست حكرًا عليه، بل تحدث في مختلف أنحاء العالم وتتخذ في كل مكان شكلًا مختلفًا، فيما ترتدي في لبنان أحيانًا لباسًا مذهبيًا أو دينيًا أو عقائديًا، رغم أنها، في جوهرها، صراعات مرتبطة بالمصالح السياسية.
وشددت على أن اللبناني، بتركيبته، قابل للعيش المشترك والتنوّع، معتبرة أن لبنان، سواء في زمن البطريرك إلياس الحويّك أو في الزمن الحالي، لا يزال يشبه نفسه، إذ عاش دائمًا ضمن هذه الخلطة التي وصفتها بـ”العجيبة”، والقائمة على التنوع المذهبي والديني، ورغم ذلك لم ينكسر هذا البلد ولم يفقد صورته بالكامل.
وأوضحت أن لبنان كان يتأثر باستمرار بمفاعيل التاريخ والأحداث المحيطة به، فكانت حدوده تمتد في بعض المراحل إلى عكا، فيما كانت تنحصر في مراحل أخرى ضمن حدود جبل لبنان. وبرأيها، لم يكن لبنان هو من يملك دائمًا قرار تحديد واقعه، لكنه استطاع التفاعل والتعامل مع الظروف كما هي، وربما كان ذلك أحد أسباب نجاته واستمراره.
ورأت أرسلان أنه لا يمكن القول إن لبنان تغيّر اليوم ولم يعد يشبه لبنان في زمن البطريرك الحويّك، رغم اختلاف النظام العالمي. ففي ذلك الوقت كانت فرنسا وبريطانيا واتفاقية سايكس–بيكو من أبرز العوامل التي رسمت الجغرافيا السياسية للمنطقة، لكن لبنان، في العمق، لا يزال كما كان بتنوّعه وتركيبته.
وأكدت أن التمسك بالعيش المشترك أصبح أكبر بعد مرور 106 أعوام، داعية إلى عدم الانخداع بما يجري على المستوى السياسي. وقالت إن التزام فئة من اللبنانيين بإيران وتنفيذها لطلباتها، في إشارة إلى حزب الله، لا يعني أن البيئة الشيعية بأكملها تؤيد ما يقوم به الحزب.
وأضافت أن أصوات الاعتراض داخل هذه البيئة بدأت تتعالى، معتبرة أن الأكثرية الشيعية تريد لبنان، وتريد العيش فيه، كما تريد الحفاظ على وجه لبنان الذي يعرفه جميع أبنائه.
وفي حديثها عن رمزية اختيار طرابلس، أوضحت أرسلان أن التجمّع وضع، منذ انطلاق احتفالاته عام 2018، هدفًا يقضي بالانتقال إلى مختلف المناطق التي أُضيفت إلى متصرفية جبل لبنان وأسهمت في تكوين دولة لبنان الكبير.
وأشارت إلى أن بيروت وطرابلس وصيدا وصور وبعلبك كانت من بين المدن التي انضمت، إلى جانب مناطق وأقضية ومحافظات، من بينها عكار والبقاع بما يشمله من راشيا وحاصبيا، إضافة إلى الجنوب، مؤكدة أن إقامة اللقاء في طرابلس تأتي ضمن مسار وطني يهدف إلى الوصول إلى مختلف المناطق التي تكوّن منها لبنان الكبير وإبراز دورها في قيامه.
من جهته، رأى صالح المقدّم، في حديث لـ”ديمقراطيا نيوز”، أن إحياء ذكرى إعلان دولة لبنان الكبير اليوم لا يشكّل مجرد عودة إلى التاريخ، بل يمثّل تذكيرًا بأن لبنان قام على فكرة وطن يتّسع لجميع أبنائه، وعلى الشراكة والعيش المشترك، وليس على منطق الغلبة أو الإقصاء.
وأكد أن لبنان يعيش مرحلة دقيقة جدًا، ما يفرض استعادة معنى لبنان الكبير بوصفه فكرة وطنية جامعة، وإعادة التأكيد أن مستقبل البلاد لا يمكن أن يُبنى إلا من خلال دولة قوية، سيدة وعادلة، تحمي جميع أبنائها وتطبّق الدستور على الجميع.
وأوضح المقدّم أن الفكرة الأساسية التي ينطلق منها اللقاء تقوم على أن لبنان الكبير ليس مجرد حدود جغرافية أُعلنت عام 1920، بل هو مشروع وطن، مشيرًا إلى أن التجمّع يسعى إلى إعادة النقاش إلى جوهر هذا المشروع، أي بناء دولة لجميع اللبنانيين تقوم على المواطنة والشراكة والعدالة والإنماء العادل واحترام الدستور واتفاق الطائف.
وأضاف أن الهدف لا يقتصر على الاحتفال بالماضي، بل يتعداه إلى طرح أسئلة جوهرية حول ما تبقّى من هذا المشروع، وكيف يمكن بناء لبنان يستحق أن ينتمي إليه أبناؤه.
وعن برنامج الاحتفال، أشار المقدّم إلى أنه سيكون مناسبة وطنية جامعة، تُقام برعاية البطريرك الراعي وحضوره شخصيًا، معتبرًا أن هذا الحضور يشكّل حدثًا بحد ذاته، إلى جانب مشاركة شخصيات روحية وسياسية ورسمية وأمنية وفعاليات من مختلف المناطق.
وأكد أن الرسالة الأهم لا تكمن في تفاصيل البرنامج بقدر ما تكمن في مضمون المناسبة، أي ضرورة استعادة الثقة بلبنان وإعادة بناء الدولة على أسس واضحة وثابتة.
وقال إن لبنان لا يُبنى بالتسويات المؤقتة ولا بمنطق المحاور، بل من خلال دولة قوية ومؤسسات فاعلة، والإنماء العادل، واحترام الدستور واستكمال تطبيق اتفاق الطائف، إلى جانب اعتماد حياد إيجابي يحفظ للبنان علاقاته العربية والدولية.
وعن اختيار طرابلس، شدد المقدّم على أن الأمر لم يكن صدفة، فالمدينة هي العاصمة الثانية بعد بيروت، وكانت دائمًا جزءًا أساسيًا من دولة لبنان الكبير، كما أنها عانت طويلًا من التهميش، رغم امتلاكها جميع المقومات التي تؤهلها لتكون مركزًا اقتصاديًا وإنمائيًا أساسيًا في لبنان.
وأضاف أن التجمّع أراد أن يقول من طرابلس إن الإنماء المتوازن ليس مجرد شعار، وإن بناء لبنان لا يمكن أن يكتمل إذا بقيت مناطق أساسية فيه مهمشة، مؤكدًا أن طرابلس تريد اليوم أن تكون جزءًا من نهضة لبنان، لا أن تبقى في موقع انتظار دورها.
وفي معرض حديثه عن المشروع الذي نادى به البطريرك إلياس الحويّك، رأى المقدّم أن اللبنانيين ما زالوا يؤمنون بفكرة العيش المشترك، والدليل أن لبنان، رغم جميع الحروب والأزمات، بقي قائمًا على هذا التنوع.
لكنه لفت إلى أن هذا العيش المشترك لم يتحول دائمًا إلى شراكة وطنية حقيقية، موضحًا أن الشراكة لا تعني فقط أن تتعايش الطوائف بعضها إلى جانب بعض، بل أن يشعر كل لبناني، أيًا كان انتماؤه، بأن الدولة هي مرجعيته، وأن الحقوق والواجبات واحدة، وألا تكون هناك طائفة فوق الدولة أو منطقة خارجها.
وأكد أن المسؤولية اليوم تكمن في تحويل العيش المشترك من واقع اجتماعي إلى مشروع دولة فعلي.
وعن مدى نجاح لبنان في الانتقال من دولة أُعلنت إلى دولة مواطنة، قال المقدّم، بكل صراحة، إن المشروع لا يزال غير مكتمل. فلبنان الكبير أُعلن دولة، لكن اللبنانيين لم ينجحوا بعد في بناء دولة المواطنة الكاملة، فيما لا تزال الطائفية السياسية والمحاصصة وضعف المؤسسات والتفاوت بين المناطق تعيق الوصول إلى الدولة المنشودة.
ورأى أن هذا الواقع لا يجب أن يشكّل سببًا لليأس، بل حافزًا لمواصلة العمل، فلبنان يمتلك دستورًا، ولدى اللبنانيين تجربة تاريخية أثبتت أنهم قادرون على العيش معًا. والمطلوب، وفق المقدّم، هو الانتقال من لبنان الطوائف إلى لبنان الوطن، ومن دولة التسويات إلى دولة المؤسسات والقانون.
وختم المقدّم برسالة من طرابلس إلى اللبنانيين دعاهم فيها إلى عدم فقدان إيمانهم بلبنان، مؤكدًا أن لبنان ليس مشروعًا انتهى، بل مشروعًا يحتاج إلى استكمال.
وقال: “نريد دولة قوية وعادلة تحمي أبناءها، وتطبّق دستورها، وتحترم اتفاق الطائف وتستكمل تطبيقه، وتحقق الإنماء العادل، وتحافظ على سيادتها واستقلال قرارها، وتتبنّى سياسة الحياد الإيجابي”.
وأضاف: “إذا كان لبنان الكبير قد وُلد من فكرة، فإن لبنان الذي نريده اليوم يجب أن يولد من إرادة اللبنانيين جميعًا. ومن طرابلس، التي عانت كثيرًا لكنها لم تفقد إيمانها بلبنان، نقول: نريد أن يكون لبنان وطنًا نهائيًا لجميع أبنائه، ودولة تستحق ثقة شعبها”.
