
بقلم راما الجراح
تحمل زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى البقاع لتقديم التعزية إلى مفتي زحلة والبقاع الشيخ الدكتور علي الغزاوي بوفاة والده، أبعاداً تتجاوز واجب التعزية، لتشكل رسالة وطنية وإنسانية لافتة، ولا سيما أن الزيارة جاءت في ظروف أمنية حساسة، وانتقل خلالها رئيس الجمهورية شخصياً من بيروت إلى البقاع. وفي هذا السياق، تكتسب زيارة رئيس الجمهورية إلى مفتي منطقة، لا إلى مفتي الجمهورية، رمزية خاصة، باعتبارها سابقة لافتة تعكس مستوى الاحترام الذي توليه رئاسة الجمهورية للمرجعيات الدينية في المناطق.
ويرى رئيس دائرة الأوقاف الإسلامية الشيخ عاصم جراح، في حديث خاص لـ”ديمقراطيا نيوز”، أن الرئيس عون ابن بيئة متواضعة، وقد أضفى على رئاسة الجمهورية قيماً إنسانية ربما لا يراها البروتوكول، معتبراً أن من الجميل أن يعطي شخص مثل جوزاف عون للرئاسة معنى إنسانياً وأخلاقياً.
ويشير إلى أنهم كانوا في زيارة لرئيس الجمهورية لإطلاعه على نتائج المؤتمر الذي عُقد في الأزهر، حيث أبدى الرئيس ارتياحاً كبيراً لدور المفتي الغزاوي، مؤكداً أن علاقته به وبالمفتي بكر الرفاعي تقوم على المودة والاحترام. ويكشف أن وفاة والد المفتي الغزاوي حصلت في اليوم نفسه الذي كان فيه الوفد لدى رئيس الجمهورية، من دون أن يكون الحاضرون على علم بالأمر بسبب ترك الهواتف خارج اللقاء، قبل أن يعلموا بالخبر لدى خروجهم.
ويضيف جراح أن الرئيس كان يدرك أن المفتي حاضر لمتابعة الشأن العام، فيما كان والده على فراش الموت، وهو ما قرأه من زاوية إنسانية، وقدّر من خلاله ما يحمله المفتي من مسؤولية تجاه مجتمعه ودوره في الشأن العام. كما لمس في شخصية الغزاوي قيمة الدور الذي تؤديه المرجعيات الدينية في ترسيخ العيش المشترك ونشر ثقافة الحوار والمودة والمحبة، معتبراً أن العالم ورجل الدين، ولا سيما حين يكون في موقع المفتي، يحمل رسالة تتجاوز الإطار الديني إلى المجال الوطني والاجتماعي. ومن هنا، جاءت زيارة الرئيس لتؤكد تقديره لهذه الرسالة ولدور العلماء في تعزيز الاعتدال وصون السلم الأهلي وتقوية روابط الأخوة بين اللبنانيين.
ويؤكد أن ليس أمراً هيناً أن يأتي رئيس الجمهورية إلى مفتي منطقة، مشيراً إلى أن دار الإفتاء في زحلة والبقاع لم تقصد رئيس الجمهورية يومًا بطلب خاص، بل كانت مطالبها دائماً في إطار الشأن العام. لذلك، فإن انتقال الرئيس شخصياً إلى البقاع لتقديم واجب العزاء، ومن دون ترتيبات مسبقة، يحمل دلالة واضحة على أن مقام المفتي والعالم محل تقدير واحترام لدى الدولة، وأن التواصل بين مؤسساتها ومرجعياتها الدينية يمكن أن يقوم على قاعدة متوازنة من الاحترام المتبادل.
ولا تقتصر دلالة الزيارة، وفق جراح، على تكريم مقام ديني بعينه، بل تحمل أيضاً رسالة إلى البقاع وأهله بأن هذه المنطقة جزء أصيل من قلب الدولة واهتمامها، وأن الدولة حين تحترم علماءها ومرجعياتها تعزز قيم العلم والدين والاعتدال في المجتمع. وفي ظل ما شهده البقاع أخيراً من تواصل وطني جامع ومحاولات لتقريب المسافات بين مكوّناته، تأتي الزيارة لتضيف بعداً معنوياً إلى هذه الجهود، وتؤكد أهمية الحضور المباشر للدولة إلى جانب أهلها ومرجعياتها.
ويختم جراح بالتشديد على أن العلاقة بين المرجعيات الدينية ومؤسسات الدولة يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل، لا التبعية ولا التزلف، معتبراً أن من جميل أخلاق المسؤول أن يقدّر العالم، ومن جميل أخلاق العالم أن يقدّر المسؤول ويحترم موقعه. ويقول إن زيارة رئيس الجمهورية لعالم ومفتٍ ليست انتقاصاً من مقامه، بل اعتراف بقيمة العلم وتكريم للمقام، داعياً العالم إلى أن يكون عزيز النفس، حكيم الموقف ومستقل الكلمة، ومحترماً لمؤسسات الدولة ومُحترماً منها، بما يكرّس الاعتدال والشراكة في بناء الدولة والوطن.


