عودة أصالة إلى دمشق… دلالات تتجاوز الفن وصورة جديدة لسوريا في عهد أحمد الشرع

بقلم ياسمين شعبان

لم تكن عودة الفنانة السورية أصالة نصري إلى دمشق، بعد سنوات طويلة من الغياب، مجرد موعد فني أعاد نجمة سورية إلى جمهورها. فالحفل الذي شهدته العاصمة مساء الخميس جاء في لحظة سياسية واجتماعية دقيقة، تحاول فيها سوريا رسم صورة مختلفة لمرحلتها الجديدة وإعادة تعريف علاقتها بالفن والتنوع والهوية الوطنية بعد سنوات من الحرب والانقسامات.

عودة أصالة حملت رمزية خاصة. فالفنانة التي ابتعدت عن سوريا واتخذت موقفاً مؤيداً للثورة ومعارضاً لنظام بشار الأسد، عادت اليوم إلى دمشق في ظل سلطة مختلفة، ووسط احتضان رسمي لحفلها. وهنا خرج الحدث من إطاره الفني ليصبح قابلاً للقراءة كجزء من التحولات التي تشهدها البلاد.

فمنذ سقوط النظام السابق، تواجه السلطة الجديدة تحدياً يتعلق بالصورة التي تقدمها عن نفسها، خصوصاً أن الرئيس أحمد الشرع لا يزال مرتبطاً لدى جزء من الرأي العام العربي والدولي بمرحلة “أبو محمد الجولاني” وبالخلفية الجهادية للتنظيمات التي قادها.

من هذه الزاوية، يكتسب الحفل دلالة تتجاوز المسرح. فإقامة أمسية غنائية بهذا الحجم، تحت مظلة رسمية، تقدم مشهداً مختلفاً عن التصورات التي تختزل السلطة الجديدة في خلفيتها الإسلامية المتشددة. كما أن الاعتراضات المحافظة التي سبقت الحفل لم تمنع إقامته، ما فتح بدوره نقاشاً حول شكل المجال العام وحدود تأثير التيارات الدينية في الحياة الثقافية السورية.

وبذلك، يمكن قراءة الحفل كجزء من مسار تحاول فيه دمشق، على مستوى الصورة على الأقل، الانتقال من مفهوم “حكم أبو محمد الجولاني” إلى مفهوم “دولة أحمد الشرع”.

وبطبيعة الحال، لا تستطيع أمسية موسيقية أن تمحو تاريخاً سياسياً أو أن تحسم طبيعة النظام الجديد، لكنها تستطيع التأثير في الصورة الذهنية عنه. وهنا تظهر أهمية القوة الناعمة في تقديم الدولة عبر الفن والثقافة والحياة الاجتماعية، وليس فقط من خلال القرارات والخطابات السياسية.

أما الدلالة الأخرى، فتكمن في صورة سوريا المتنوعة التي رافقت عودة أصالة. فالمشروع الفني السوري الذي قدمته لم يحصر البلاد بلون ثقافي واحد، بل استحضر تراث مناطق وبيئات سورية مختلفة، جامعاً في مساحة واحدة ألواناً موسيقية ولهجات وخصوصيات تمتد من دمشق وحلب إلى الجزيرة والساحل والجنوب والشرق.

وهذه الصورة تحمل وزناً إضافياً في بلد لا يزال يبحث عن صيغة جديدة للعلاقة بين مكوناته. فسوريا تضم عرباً وأكراداً ومكونات دينية وطائفية وثقافية متعددة، فيما تركت سنوات الحرب انقسامات عميقة بينها.

ومن هنا، يمكن قراءة حضور الأكراد ومختلف البيئات السورية في مشروع فني جامع باعتباره رسالة اجتماعية مفادها أن الاختلاف لا يعني الانقسام، وأن الهوية السورية يمكن أن تتسع لتنوع أبنائها بدلاً من اختصارها بهوية أو بيئة واحدة.

سياسياً، منحت عودة أصالة دمشق أيضاً فرصة لإظهار وجه مختلف إلى الخارج. ففنانة ارتبط اسمها لسنوات بموقف معارض للنظام السابق تعود اليوم إلى العاصمة بعد سقوطه، ما جعل عودتها، سواء كان ذلك مقصوداً أم لا، جزءاً من سردية مرحلة سورية مختلفة.

لكن الاختبار الحقيقي يبقى خارج المسرح. فنجاح الدولة الجديدة في تغيير صورتها لن تحدده حفلة فنية، بل قدرتها على ترجمة رسائل الانفتاح والتنوع إلى واقع: حماية الحريات، ضمان حقوق المكونات المختلفة، وبناء مؤسسات يشعر السوريون بأنها تمثلهم جميعاً.

لذلك، تجاوزت عودة أصالة حدود الفن، لتجمع في ليلة واحدة أسئلة الهوية والذاكرة والتنوع والسياسة، وتترك السؤال الأهم مفتوحاً: هل تكون عودة الأصالة إحدى صور انتقال سوريا من زمن الفصيل إلى زمن الدولة؟

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top