
افتُتح اليوم المؤتمر الإقليمي الثاني عشر لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا برعاية رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون حضوره، في فندق “موفنبيك” – بيروت . يستمر المؤتمر يومين يستضيفه الصليب الأحمر اللبناني بالتعاون مع الاتحاد الدولي ويجمع قادة الجمعيات الوطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر من مختلف أنحاء المنطقة، إلى جانب شركاء من الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر (IFRC)، واللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC)، والمنظمة العربية للهلال الأحمر والصليب الأحمر (ARCO)، واللجنة الدائمة للصليب الأحمر والهلال الأحمر.
ألقى الرئيس عون كلمة في الافتتاح قال فيها: “أصحاب المعالي والسعادة، حضرة رئيسة الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، أيّها المتطوعون والمتطوعات، السيدات والسادة، حين نتحدث عن الصليب الأحمر، لا نتحدث فقط عن مؤسسة إنسانية. نتحدث عن صورة يعرفها كل لبناني: سيارة إسعاف تشق طريقها وسط الخطر، مسعف يصل حين يعجز الآخرون عن الوصول، ومتطوع يترك بيته وعائلته، لا ليسأل من هو المصاب، ولا إلى أي منطقة أو طائفة ينتمي، بل ليسأل سؤالاً واحداً: كيف يمكنني أن أنقذ هذا الإنسان؟ هذا هو التفاني في أسمى معانيه: أن يبذل الإنسان ذاته من أجل الآخر، من دون مقابل. وهي الرسالة نفسها التي تجمع اليوم في بيروت عائلة الصليب الأحمر والهلال الأحمر، من منطقتنا ومن العالم. أهلاً بكم جميعاً في لبنان، الذي يعتز باستضافتكم وبما تمثّلونه من تضامن إنساني يتجاوز الحدود والانقسامات. وهذه أيضاً صورة لبنان الذي نريده: لبنان الذي تكون فيه حياة الإنسان فوق كل اعتبار، وتجمع فيه الإنسانية ما فرّقته السياسة والحروب والأزمات. لقد كانت السنوات الأخيرة الامتحان الأصعب لهذه القيم، إذ مرّ لبنان بمحطات هي من الأقسى في تاريخه الحديث: في كل مرة، كنتم حاضرين”.
أضاف: “كنتم حاضرين خلال جائحة كورونا، حين أبعد الخوف الناس عن بعضهم، فاقتربتم أنتم منهم، وأسعفتم وواكبتم وساعدتم. كنتم هناك في الرابع من آب، حين اهتزت بيروت وامتلأت شوارعها بالركام والدم والجرحى، وساد الذهول ولم يكن أحد يعرف من أين يبدأ. بدأتم أنتم. كنتم هناك خلال سنوات الانهيار، حين ضاقت الحياة بالناس، فكنتم لهم سنداً في المرض والحاجة. وأنتم هنا اليوم، في هذه الحرب، فيما الخطر قائم، وعائلات تهجّر، وقرى ومدن تتعرض للقصف، وآلاف اللبنانيين يحتاجون إلى من يصل إليهم. وفي هذه الحرب، يتجاوز دوركم الاستجابة للحالات الطارئة، ليشمل تأمين المساعدات الإنسانية إلى المناطق الخطرة، والمساهمة في ملف الأسرى وتنسيق عمل فرق الإسعاف والإنقاذ، بالتعاون مع الجيش اللبناني وقوات “اليونيفيل” وآلية مراقبة وقف الأعمال العدائية. وقد استجابت فرقكم لعشرات الآلاف من الحالات، ووصلت خدماتكم إلى مختلف المناطق اللبنانية. لكن هذه الرسالة كان لها ثمن. وكان الثمن من دم أبنائكم. لقد فقدت عائلة الصليب الأحمر عشرات الشهداء، وكان من بينهم الشهيدان يوسف ريمون عساف وحسن علي بدوي، اللذان استشهدا أثناء قيامهما بواجبهما الإنساني نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة. نذكرهم اليوم بمحبة ووفاء، وستبقى أسماؤهم في ذاكرة الصليب الأحمر وفي ذاكرة الوطن. كما أصيب ثلاثة عشر عنصراً من مسعفي الصليب الأحمر ومتطوعيه أثناء أداء واجبهم الإنساني. نتمنى لهم الشفاء، ونحيّي كل من يواصل أداء رسالته رغم المخاطر”.
تابع:” من هنا، أقول بوضوح: حتى للحرب قواعد. والقانون الدولي الإنساني يفرض التزامات واضحة على جميع أطراف النزاع، وإسرائيل ليست استثناءً. إن حماية المسعفين والطواقم الطبية والإنسانية، وضمان وصولهم الآمن إلى من يحتاج إليهم، واحترام شارات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، ليست مسألة اختيار. إنها واجب قانوني وإنساني. فالمسعف يجب ألا يصبح هو نفسه هدفاً. والحرب، على قسوتها، لا تختصر رسالة الصليب الأحمر. فهو يقدم سنوياً أكثر من مليون خدمة للبنانيين والمقيمين على الأراضي اللبنانية، في الإسعاف والطوارئ، وخدمات الدم، والرعاية الصحية الأولية، والإغاثة، والدعم النفسي، ولم شمل العائلات، وهي رسالة لا تعرف ساعة ولا يوماً ولا عيداً. وانتم تستحقون، انطلاقاً من خدمتي كقائد للجيش وبعدها كرئيس للجمهورية، ان تنالوا كما الجيش، شعار “شرف، تضحية، وفاء”.
وقال:” أيّها الحضور الكريم، هناك إنجاز آخر للصليب الأحمر اللبناني لا يمكن قياسه بالأرقام: ثقة اللبنانيين. في بلد عانى الانقسامات طويلاً ، حين تصل سيارة الصليب الأحمر، لا يسأل أحد من أي منطقة جاءت، ولا من يقودها، ولا ما هي طائفته أو انتماؤه، يرى اللبناني الشارة الحمراء، فيعرف أن المساعدة وصلت. وهذه الثقة لم تُبنَ بالخطابات، بل بُنيت بالعمل، بالحياد، بالكفاءة، وبالتضحية. وهنا تكمن قيمة تجربتكم بالنسبة إلى لبنان كله: فالصليب الأحمر اللبناني نموذج للمؤسسات التي نطمح إليها، مؤسسات يثق بها المواطن، وتخدمه بكفاءة ومن دون تمييز”.
أضاف:” أيّها المسعفون والمسعفات، أيّها المتطوعون والمتطوعات، قد لا تدركون دائماً ماذا تعني لحظة وصولكم إلى المصاب. قد تكون بالنسبة إليكم مهمة من بين مئات المهام، لكن بالنسبة إلى من ينتظركم، أنتم في تلك اللحظة كل الأمل المتبقي. شكراً لكم، ولكل من اختار أن يكون إلى جانب إنسان لا يعرفه، في اللحظة التي كان فيها في أمسّ الحاجة إليه. لكن الشكر وحده لا يكفي، فواجب الدولة أن تحمي رسالتكم، وأن تدعم قدراتكم، وأن تساعد على ضمان استمرارية خدماتكم. وواجبنا أيضاً أن نحافظ على ثقافة التطوع، وأن ننقلها إلى أجيالنا المقبلة، لأنها جزء من ثقافة المسؤولية والمواطنة التي نريدها للبنان”.
ختم: “من هنا، أتوجه اليوم إلى كل اللبنانيين، وإلى أصدقاء لبنان وشركائه: كونوا إلى جانب الصليب الأحمر اللبناني، كما هو دائماً إلى جانبكم. عشتم، وعاشت رسالة الصليب الأحمر والهلال الأحمر، وعاش لبنان”.
الزغبي
أشار رئيس الصليب الأحمر اللبناني الدكتور أنطوان الزغبي في كلمته إلى أن ” الأزمات غير المسبوقة التي تهزّ مجتمعاتنا، وتضرب عمق تاريخنا وذاكرتنا الجماعية، لا تُعالج بأنصاف الحلول ولا بالشعارات أو برفع الصوت عالياً، بل بالعمل المنظم والمبرمج، وباعتماد استراتيجية استباقية شاملة ومستدامة تجعل من جمعياتنا الوطنية خلية نحل إنسانية فاعلة، نُشرك فيها حكوماتنا والمسؤولين فيها، إلى جانب الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر بكل مكوناتها، من أجل احترام وإنفاذ القانون الدولي الإنساني، والتصدي للأخطار الوجودية التي تهدد كياناتنا وأوطاننا”.
فوربس
وتحدثت رئيسة الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر كيت فوربس، فأشارت إلى أنه “في كل أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يواصل ملايين الأشخاص تحمُّل العواقب الإنسانية المدمرة للنزاعات والنزوح والأزمات المعقدة ووراء كل إحصائية يقف إنسان وعائلة ومجتمع يسعون لتحقيق الأمان والكرامة والأمل”. وشددت على أن ” العاملين في المجال الإنساني والمرافق الطبية ليسوا أهدافاً. ويجب احترام شارة الصليب الأحمر والهلال الأحمر في الأوقات كافة، إذ يقتضي القانون الدولي الإنساني حماية العاملين في المجال الإنساني، وضمان وصولهم الآمن دون عوائق، ومحاسبة المسؤولين عن الهجمات الموجهة ضدهم”.
هاف
وألقت نائبة المدير الإقليمي للجنة الدولية للصليب الأحمر كيت هاف كلمة قالت فيها: “إن اجتماعنا اليوم يمثل لحظة مهمة، فهذه المنطقة تعاني الآثار الإنسانية للنزاعات، حيث تتفاقم نتائج الصراعات الأخيرة مع النزاعات المستمرة منذ فترة طويلة، ما يترك عواقب وخيمة على أهالي المنطقة وخارجها. نكنّ كل الاحترام والتقدير لموظفي الجمعيات الوطنية ومتطوعيها الذين فقدوا أرواحهم أو أصيبوا وهم يؤدون واجبهم الإنساني”.
أضافت: “في هذا الوقت، تبدو مهمتنا الجماعية المبنية على مبادئنا الأساسية ومهامنا المتكاملة بنفس الأهمية التي كانت عليها عند تأسيس حركتنا. نحن بحاجة إلى الاستمرار في الوقوف معاً لنتمكن من تقديم الدعم بفاعلية لكل من هم بحاجة إليه”.
المهيدلي
بدوره، قال الأمين العام للمنظمة العربية للهلال الأحمر والصليب الأحمر الدكتور عبداالله المهيدلي: “إن انتقال مؤتمرنا من عمّان إلى بيروت ينبغي أن يمثل انتقالًا من الالتزامات إلى التنفيذ، ومن تشخيص التحديات إلى بناء حلول عملية. ونتطلع إلى أن يقود إعلان بيروت إلى التزامات واضحة تعزز سلامة المتطوعين، وتقوي الجمعيات الوطنية، وتدعم الشراكة داخل الحركة، وتطور قدرتنا على تعبئة الموارد وتحقيق الاستدامة المالية”.
ختم:” نؤكد استعدادنا للعمل جنبًا إلى جنب مع الجمعيات الوطنية والاتحاد الدولي واللجنة الدولية؛ لتعزيز التنسيق، وتبادل الخبرات، وبناء القدرات، ودعم الدبلوماسية الإنسانية، والدفاع عن سلامة العاملين والمتطوعين، وتعزيز حضور القضايا الإنسانية في منطقتنا على المستويين الإقليمي والدولي”.
الحديد
وكانت كلمة لرئيس جمعية الهلال الأحمر الأردني الدكتور محمد الحديد قال فيها: “اليوم، في بيروت، لا تقتصر مسؤوليتنا على مراجعة إعلان عمّان، بل أن نسأل: ما الذي تغيّر؟ وأين أحدثنا فرقاً؟ وأين ينبغي لنا أن نحقق أداءً أفضل؟ لقد أحرزنا تقدماً، ولا سيما في مجالات التأهب، والاستجابة بقيادة محلية، والتنسيق داخل الحركة. إلا أن تعزيز المؤسسات والمساءلة لا يزالان يتطلبان اهتماماً مستمراً. لكن توطين العمل الإنساني يجب أن يعني القيادة، وليس التنفيذ فقط. ينبغي للجمعيات الوطنية أن تسهم في صياغة الأولويات، والتأثير في القرارات، وضمان توجيه الموارد بما يستجيب لاحتياجات المجتمعات”.
كتانة
وألقى عضو اللجنة الدائمة للصليب الأحمر والهلال الأحمر، الأمين العام للصليب الأحمر اللبناني جورج كتانة كلمة قال فيها: “إن اجتماعنا اليوم يأتي في وقت تواجه فيه منطقتنا تحديات إنسانية معقدة وغير مسبوقة من نزاعات ممتدة في أكثر من بلد، وأزمات اقتصادية تزيد الأعباء على المجتمعات، والكوارث المرتبطة بالمناخ تحيط بنا، وحركات اللجوء والنزوح والهجرة تثقل كاهلنا، ولكن ويبقى الأهم حماية المتطوعين الذي يستجيبون للنداءات الانسانية والتشديد على تطبيق القانون الدولي الإنساني، واحترام الشارات الحامية، والشواهد على الخروق لا تعد ولا تحصى وقد نتج عنها خسارات في الأرواح وجرحى من طواقم الجمعيات، كل ذلك اختبارات حقيقية لقدراتنا الجماعية على الاستجابة لحاجات الناس الأكثر ضعفاً وحمايتهم وصون كرامتهم. وفي خضم هذه التحديات، تبرز أهمية حركتنا الإنسانية كي تبقى مصدر الأمل والعمل المشترك القائم على المبادئ الإنساني”.
لمحة حول جدول الأعمال وأبرز الأولويات الإنسانية في المنطقة
على مدى يومي المؤتمر، سيقوم المشاركون بما يلي:
مراجعة تنفيذ إعلان عمّان 2024؛ الاستماع إلى مستجدات من الجمعيات الوطنية في مختلف أنحاء المنطقة حول الاستجابات الإنسانية الأخيرة والأولويات؛ البحث في سلامة المتطوعين في المنطقة، استناداً إلى شهادات ميدانية ونقاش مخصص حول الوصول الآمن، والتأمين، ودعم أسر المتطوعين؛ عقد اجتماع للشركاء داخل الحركة الدولية، الذي ستشارك خلاله الجمعيات الوطنية الشريكة وجهات نظرها حول أزمات المنطقة وآفاق المساعدة الإنسانية والتعافي؛ مناقشة تعبئة الموارد محلياً والاستدامة المالية طويلة الأمد للجمعيات الوطنية في المنطقة؛ مناقشة وإقرار إعلان بيروت، وهو دعوة إلى العمل سيوجّه العمل الإنساني المشترك للحركة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في السنوات المقبلة. ومن المقرر أن يُختتم المؤتمر، مجموعة جديدة من الالتزامات — إعلان بيروت — الذي يُتوقع اعتماده يوم غد السبت . وستستند الجلسات إلى إعلان عمّان، الذي اعتمدته الجمعيات الوطنية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال المؤتمر الحادي عشر في أيلول 2024، والذي التزمت فيه الجمعيات الوطنية تعزيز العمل الإنساني المحلي، والاستدامة المالية، وحماية المتطوعين في أنحاء المنطقة. وفي الختام ستعلن الجهة المستضيفة للمؤتمر الثالث عشر.
خلفية المؤتمر الإقليمي
يُعقد المؤتمر الإقليمي الثاني عشر لجمعيات الهلال الأحمر والصليب الأحمر في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل دوري لجمع قيادات الجمعيات الوطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر من مختلف أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى جانب مكونات الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر والشركاء الإقليميين، من أجل مراجعة الاحتياجات الإنسانية في المنطقة والاتفاق على أولويات والتزامات مشتركة.
