طرابلس على خريطة العدالة البديلة… مركز للتحكيم والوساطة بطموح يتجاوز الشمال

بقلم ملاك الصميلي

منذ العام 2010، بدأت فكرة إنشاء مركز الوساطة والتحكيم والخبرة في نقابة المحامين في طرابلس، قبل أن تنتقل من إطار الأنظمة الموضوعة إلى حيّز التنفيذ الفعلي مع تخصيص مقر للمركز داخل حرم النقابة عام 2019. وبعد سنوات فرضت خلالها الأزمة الاقتصادية وجائحة كورونا توقفاً قسرياً للعمل، عاد المركز اليوم إلى الواجهة بهيئة إدارية جديدة ومجلس أمناء يضم نخبة من الشخصيات القضائية والقانونية والأكاديمية والاقتصادية والإدارية، في محاولة لإطلاق منصة متخصصة للعدالة البديلة في لبنان.

وفي حديث لـ«ديمقراطيا نيوز»، أوضح مدير مركز الوساطة والتحكيم والخبرة ورئيس هيئته الإدارية، المحامي عزمي حداد، أن فكرة المركز ليست حديثة، لافتاً إلى أن مجلس نقابة المحامين أقر إنشاءه عام 2010 ووضع له نظاماً، قبل أن يجري تخصيصه بمقر فعلي عام 2019.

وأشار حداد إلى أن إدارة المركز عملت، بعد تكليفها، على تحديث الأنظمة وقواعد إجراءات الوساطة والتحكيم واللوائح الداخلية التي ترسم طريقة عمل المركز، قبل أن يتوقف العمل خلال السنوات الماضية بفعل الأزمة الاقتصادية وجائحة كورونا.

ومع إعادة تفعيل المركز، يوضح حداد أن الهدف الاستراتيجي يتمثل في جعله منصة للعدالة البديلة وشريكة في تأمين المناخ الاستثماري السليم في الشمال خصوصاً ولبنان عموماً.

ثلاث أدوات لحل النزاعات

يقوم المركز على مفهوم الحلول البديلة لتسوية النزاعات، أو ما يعرف بـADR، أي Alternative Dispute Resolution، من خلال الوساطة والتحكيم والخبرة.

وفي شرح مبسط للفارق بينها، يوضح حداد أن الوساطة تقوم على تدخل وسيط متخصص بين طرفين أو أكثر من المتنازعين، بهدف مساعدتهم على الوصول إلى تسوية ودية يرضون بها، مشيراً إلى أن الوساطة يمكن اللجوء إليها في كل ما يجوز فيه الصلح، بما في ذلك الدعاوى المدنية عموماً وبعض الدعاوى الجزائية التي يجوز فيها الصلح.

أما التحكيم، فيصفه حداد بأنه “قضاء خاص”، يتولى فيه محكّم منفرد أو هيئة تحكيمية مؤلفة من ثلاثة محكمين الفصل في النزاع وإصدار حكم تحكيمي ملزم وقابل للتنفيذ، لافتاً إلى أن من أبرز ميزاته السرعة والسرية وخفض الكلفة نسبياً، فضلاً عن إمكانية اعتماد قواعد إجرائية والقانون الذي يتفق عليه الأطراف.

أما الخبرة، فتتمثل بتأمين متخصصين لإعداد تقارير في سياق نزاع قائم، بما يساعد على معالجة الجوانب التي تتطلب معرفة تقنية أو مهنية متخصصة.

ويؤكد حداد أن الهدف من المركز لا يتمثل في استبدال القضاء، بل في التكامل معه، موضحاً أن الوسائل البديلة تسهم في خفض العدد الهائل من الدعاوى، ما يؤدي إلى تسريع الإجراءات القضائية ويقلل الضغط عن القاضي.

ويبرز عامل الوقت كإحدى أهم نقاط قوة الوساطة والتحكيم، إذ يلفت حداد إلى أن عملية الوساطة يمكن أن تتم خلال أسابيع قليلة، بينما يستغرق التحكيم عادة أشهرًا معدودة، في حين أن الدعاوى القضائية قد تستمر لسنوات طويلة.

ولا يقتصر اللجوء إلى المركز على فئة محددة، إذ يمكن لأي شخص طبيعي أو معنوي، كالشركات والمؤسسات، الاستفادة من خدماته. وفي التحكيم، يشترط وجود اتفاق بين الأطراف، سواء كان مسبقاً من خلال بند تحكيمي في العقد، أو لاحقاً عند نشوء النزاع.

أما في الوساطة، فيميّز حداد بين الوساطة الرضائية، التي يتفق الأطراف على اللجوء إليها، والوساطة القضائية التي تتم عندما تحيل المحكمة الناظرة بالدعوى النزاع إلى الوساطة.

ولا ينظر المركز إلى دوره من زاوية قانونية فقط، بل يربطه مباشرة بالاقتصاد والاستثمار.

ويشير حداد إلى أن المستثمر المحلي أو الأجنبي يبحث عن سوق آمن ومستقر، معتبراً أن استقرار الإجراءات القانونية وسرعتها وسريتها تشكل عناصر أساسية في البيئة الاستثمارية.

ويضيف أن المستثمر الأجنبي يفضل في كثير من الأحيان معرفة القانون وقواعد الإجراءات التي ستطبق على استثماره، وهو ما يعزز أهمية وجود آليات متخصصة ومرنة لحل النزاعات.

ويرى حداد أن مركز الوساطة والتحكيم والخبرة C.M.A. Lebanon، بحكم وجوده لدى نقابة المحامين وعلاقته بالقضاء، إضافة إلى الشراكات التي عقدها مع الهيئات الاقتصادية والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية المتخصصة، يمكن أن يكون شريكاً أساسياً في دعم الاستثمار والنمو في محيطه ولبنان عموماً.

ورغم وجود المركز في نقابة المحامين في الشمال، يؤكد حداد أن موقعه لا يشكل حدوداً لنشاطه، مشدداً على أن اختصاصه لا محلياً ولا دولياً محصور بمنطقة الشمال.

ويذهب أبعد من ذلك، مؤكداً أن الحضور العربي والدولي ليس مجرد طموح مستقبلي، “بل هدف نسعى إليه”، لافتاً إلى أن برنامج العمل والخطة الاستراتيجية للمركز وُضعا بما يتناسب مع هذه الأهداف.

وفي إطار بناء الكادر المتخصص، يستعد المركز لتنظيم دورات تدريبية لإعداد الوسطاء والمحكمين، من المحامين ومن أصحاب الاختصاصات المهنية الأخرى، إلى جانب دورات متخصصة وبرامج تدريب مستدام.

وعلى صعيد إدراج الوسطاء والمحكمين على لوائح المركز، فيخضع، بحسب حداد، لمعايير علمية وشخصية يجري تقييمها من قبل لجنة متخصصة، مع استمرار عملية التقييم حتى بعد الإدراج، بهدف الحفاظ على مستوى الأداء ومواكبته للمعايير الدولية.

وفي المرحلة المقبلة، يعتزم المركز فتح باب الانتساب إلى عضويته والإدراج على لوائحه خلال الأيام المقبلة، على أن يتم الإعلان تباعاً عن برامجه التدريبية العامة والمتخصصة خلال الأسابيع المقبلة.

كما أقر مجلس الأمناء عقد المؤتمر العام الأول للمركز خلال شهر تشرين الأول المقبل، في خطوة تشكل محطة أساسية في مسار إعادة إطلاقه.

وبالنسبة إلى حداد، فإن الرهان الأكبر يتجاوز إنشاء مؤسسة جديدة، إذ يرى أن التنمية والتطور ومواكبة المستجدات في التكنولوجيا والاقتصاد والتجارة والاستثمار ليست مهمة فردية، بل مشروعاً متكاملاً تتشارك فيه مختلف الجهات القادرة على تحقيق النتائج

و ختم حداد أن المركز يسعى إلى العمل بروح الفريق مع شركائه، وصولاً إلى تحويله إلى منصة عدالة متطورة وفاعلة، تكون في الوقت نفسه شريكاً في النهوض الاقتصادي على المستويين المحلي والوطني.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top