
بقلم ياسمين شعبان
بعد مرحلة من التعثر والانقطاع في مسار التفاوض بين لبنان وإسرائيل، يعود الملف مجددًا إلى الواجهة مع التحضير لجولة جديدة، في وقت تتقاطع فيه الضغوط السياسية والأمنية حول ملفات الانسحاب الإسرائيلي، وحصرية السلاح، وانتشار الجيش اللبناني، وسط رهان على أن تحمل المرحلة المقبلة ترجمة عملية للمواقف التي أعلنها لبنان خلال لقاءاته الأخيرة في نيويورك وواشنطن.وفي قراءة للمشهد، يربط الخبير الاستراتيجي خالد حمادة، في حديث خاص لموقع “ديمقراطيا نيوز”، الجولة المقبلة بنتائج زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى الأمم المتحدة وواشنطن، معتبرًا أن المرحلة التي تلي عودته إلى بيروت ستكون حاسمة في تحديد قدرة لبنان على تحويل المواقف المعلنة إلى خطوات عملية، وبالتالي في تحديد فرص نجاح المفاوضات أو تعثرها.ويشير حمادة إلى أنه لا يمكن مقاربة أي جولة تفاوضية جديدة بمعزل عما صدر خلال زيارة سلام، بدءًا من كلمته أمام الأمم المتحدة، وصولًا إلى الاجتماعات التي عقدها واللقاءات التي جمعت المسؤولين اللبنانيين بنظرائهم الأميركيين. وبرأيه، كان الموقف اللبناني واضحًا لناحية التمسك بالمسار الدبلوماسي لاستعادة الأرض، وبسط سلطة الدولة، ورفض وجود أي سلاح خارج إطار المؤسسات الأمنية والعسكرية الشرعية.ويرى حمادة أن التحدي الأساسي يبدأ بعد العودة إلى بيروت، لأن المرحلة المقبلة ستظهر مدى قدرة الحكومة على تبني هذه المواقف وتحويلها إلى قرارات وإجراءات تنفيذية، وهو ما سيؤثر مباشرة في المسار التفاوضي. ويعتبر أن ما تحقق سياسيًا في واشنطن لن تكون له قيمة عملية ما لم ينعكس خطوات واضحة على الأرض وفي أداء الدولة اللبنانية.ويضع حمادة ملف حصر السلاح بيد الدولة في صدارة الأولويات، معتبرًا أن النظرة الأميركية لا تكتفي بانتشار الجيش اللبناني بصورة شكلية أو تقليدية، بل تركز على بسط سلطة الدولة فعليًا وعلى معالجة البنى العسكرية الخارجة عن سيطرتها. ومن هنا، تصبح الأولوية، وفق قراءته، لتحديد آليات التنفيذ والمناطق التي يمكن أن تشهد خطوات أولى، إلى جانب وضع جدول زمني ومعايير واضحة للتحقق من التزامات الطرفين. ويعتبر أن حصرية السلاح هي المفتاح الأساسي لبقية الملفات، إذ يربط أي تقدم في هذا المسار بإمكان تحقيق تقدم موازٍ في ملفات الانسحاب الإسرائيلي، واستعادة الأسرى، وعودة الإعمار إلى الجنوب، فضلًا عن المساعدات الأميركية والعربية ودعم قدرات الجيش اللبناني.وبرأيه، لا يمكن التعامل مع المفاوضات كملفات منفصلة، بل كصفقة متكاملة تبدأ بحصرية السلاح والانسحاب الإسرائيلي، وتمتد إلى الحدود وانتشار الجيش وعودة أهالي الجنوب إلى قراهم. لذلك، يرفض حمادة اختزال المسار بعنوان “الترتيبات الأمنية”، معتبرًا أن الواقع يتجاوز ذلك في ظل استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية واختلال ميزان القوى لمصلحة إسرائيل، إلى جانب الضغط الدولي والعربي باتجاه حصر السلاح بيد الدولة.أما عن العلاقة بين الملف اللبناني والمسار الأميركي–الإيراني، فيرى حمادة أن الارتباط قائم، لكن من دون أن يعني ذلك أن مصير لبنان مرهون بالكامل بنتيجة هذا المسار. ويشير إلى أن أي توجه إيراني نحو تسوية أوسع لن يقتصر، برأيه، على الملف النووي، بل سيمتد إلى النفوذ الإقليمي وأمن الخليج والطاقة وملفات أخرى باتت مترابطة. وفي حال ذهبت طهران وواشنطن نحو تسوية قابلة للتنفيذ، يتوقع حمادة أن ينعكس ذلك إيجابًا على لبنان ويسرّع معالجة ملف حصرية السلاح. أما إذا بقي المسار الإيراني–الأميركي في دائرة المراوحة والتعثر، فيرى أن الفصل بين الملفين يبقى ممكنًا، لكن ضمن ظروف أكثر توترًا وتصعيدًا، ما قد يضع لبنان أمام ضغوط وشروط أشد في أي مفاوضات لاحقة.ويخلص حمادة إلى أن مصير الجولة المقبلة لن يتحدد بموعد انعقادها بقدر ما سيتحدد بما سيدخل به لبنان إلى طاولة التفاوض، ومدى قدرته على تقديم مسار تنفيذي واضح لحصرية السلاح، بالتوازي مع خطوات إسرائيلية جدية تبدأ بالانسحاب وتمتد إلى بقية الملفات العالقة.
