حين يعود الشباب لإدارة الرأي العام: Des gilets jaunes aux gilets jeunes

بقلم د. عامر حلواني

ربما أخطر ما يمكن أن يحدث لسلطة ما ليس أن يغضب الناس منها، بل أن تفقد قدرتها على تحديد ما الذي يجب أن يغضب الناس من أجله.
عندها يصبح السؤال: من يدير الرأي العام؟
منذ سنوات ليست بعيدة، عرف الفرنسيون السترات الصفراء. واليوم، مع حركة طلاب الثانويات، يمكن أن نسمح لأنفسنا بشيء من اللعب بالكلمات: Des gilets jaunes aux gilets jeunes. وتعني من السترات الصفراء إلى “السترات الشابة”.
الفارق ليس لغوياً فقط.
هذه المرة، جزء كبير من الغاضبين لم يبلغ بعد السن التي تسمح له بانتخاب من يحكمه، لكنه اكتشف أنه لا يحتاج إلى صندوق اقتراع كي يفرض على من يحكمه أن يسمعه.
بدأت الحركة الحالية في المدارس الفرنسية من قضايا تبدو، للوهلة الأولى، صغيرة أمام الأسئلة الكبرى التي تشغل الدول: أساتذة غائبون، نقص في الموظفين، صفوف مكتظة، مدارس تحتاج إلى صيانة، جداول دراسية مرهقة، قلق من المستقبل ومن الانتقال إلى التعليم العالي.
قد لا يبدو في ذلك شيء ثوري.
لكنه كذلك.
لأن الثورة، قبل أن تصبح مشروعاً لتغيير السلطة، قد تبدأ ببساطة عندما يقرر جيل ما أنه لن يترك للآخرين وحدهم حق تعريف مشكلاته.
وهذا ما يحدث عندما ينتقل الشاب من كونه مستهلكاً للرأي العام إلى منتج له.
لم يعد ينتظر جريدة صباحية كي تخبره ما هي القضية.
ولا ينتظر نشرة الثامنة.
ولا يحتاج بالضرورة إلى حزب يكتب له البيان رقم واحد.
هاتف صغير يكفي أحياناً.
صورة، فيديو، عبارة قصيرة، غضب مشترك، ثم تستيقظ حكومة بأكملها لتكتشف أن قضية لم تكن على جدول أعمالها بالأمس أصبحت اليوم على شاشات التلفزيون وفي بيانات الأحزاب وفي اجتماعات الوزراء.
هنا تحديداً تبدأ السياسة.
وعندما تبدأ السياسة، يبدأ السؤال القديم نفسه:
من وراء هؤلاء؟
هل هناك حزب؟
من يحرّضهم؟
من يستفيد منهم؟
وقد يكون من السذاجة الاعتقاد بأن حركة بهذا الحجم يمكن أن تبقى بعيدة عن محاولات الاستغلال.
السياسة لا تترك شارعاً فارغاً.
إذا لم تصنع الحركة، تحاول أن تدخلها.
وإذا لم تستطع قيادتها، تحاول أن تتحدث باسمها.
لكن ثمة فرقاً يجب ألا يضيع: بين من يبدأ حركة، ومن يدعمها، ومن يحاول سرقتها بعد أن تبدأ.
ثم يأتي العنف.
وهو، في الغالب، اللحظة التي تبدأ فيها الحركات بخسارة ملكية قصتها.
تبدأ القضية من مطلب اجتماعي أو تربوي.
ثم تُحرق سيارة.
وفي اليوم التالي لا أحد يسأل أين المشكلة التي أخرجت الشباب إلى الشارع.
الجميع يسأل: من أحرق السيارة؟
إنها أسهل طريقة لتحويل النقاش من سبب الغضب إلى شكل الغضب.
ومن مطالب الآلاف إلى تصرفات العشرات.
ومن المستقبل إلى الأمن.
ولهذا فإن العنف ليس فقط مشكلة أخلاقية أو أمنية بالنسبة إلى الحركات الشبابية، بل مشكلة سياسية أيضاً.
إنه يسرق منها الكاميرا.
والكاميرا، اليوم، جزء من السلطة.

حتى هنا تبدو القصة فرنسية.
لكننا، نحن اللبنانيين، نعرف شيئاً عن الشباب والشارع.
في 17 تشرين 2019 نزل اللبنانيون بأعداد كبيرة إلى الشوارع، وكان الطلاب والشباب جزءاً بارزاً من المشهد.
وللحظة، بدا أن شيئاً يتغير.
أن اللبناني لم يعد يريد أن يكون سنياً أو شيعياً أو مسيحياً أو درزياً قبل أن يكون مواطناً.
وأن جيلاً جديداً يحاول كتابة قاموس مختلف:
دولة.
محاسبة.
وظيفة.
كهرباء.
مستقبل.
مواطنة.
ولكن…
عفواً، نسيت أن الفارق بين فرنسا ولبنان أن هناك مواطنين ودولة، وأن هنا أتباع طوائف وشبه دولة.
نعم، العبارة قاسية.
وقد يقال إنها ظالمة أيضاً.
لكن أليست القسوة أحياناً مجرد اسم آخر لوصف واقع تعودنا عليه إلى درجة أننا لم نعد نراه؟
في فرنسا، يخرج الطالب ضد الدولة، لكنه يخرج مطالباً الدولة نفسها بحقه.
يغضب منها لأنه يعتبرها مسؤولة عنه.
الدولة هي الخصم، وهي المرجع في الوقت نفسه.
أما عندنا، فالأمر أكثر تعقيداً.
قبل أن يصل المواطن إلى الدولة، يمر في كثير من الأحيان بالطائفة.
وقبل أن يسأل: “ما حقي؟”، يسأل: “من يحميني؟”
وقبل أن تتحول القضية إلى قضية عامة، يبدأ التفتيش في هوية صاحبها:
من أين هو؟
إلى من ينتمي؟
من وراءه؟
وأي زعيم يستفيد؟
في لبنان لا تحتاج السلطة دائماً إلى قمع حركة الشباب كي تهزمها.
أحياناً يكفي أن تعيدهم إلى طوائفهم.
أن تقول لهذا: جماعتك مستهدفة.
ولذاك: انتبه، يريدون إلغاءك.
وللثالث: هؤلاء يعملون لحساب الخارج.
وللرابع: زعيمك وحده يحميك.
وخلال أيام يتحول المواطن الذي كان يهتف إلى جانب مواطن آخر إلى جندي صغير في الخندق القديم.
وتعود الطوائف إلى عدّ أبنائها.
كأن شيئاً لم يحدث.
وهنا تظهر وظيفة أخرى للشباب داخل ما يمكن أن نسميه، بشيء من الاستفزاز، «شبه الأحزاب» اللبنانية.
فالحزب، بالمعنى السياسي الحديث، يفترض تداولاً في القيادة، ومؤسسات داخلية، ومحاسبة، وبرامج تتغير، وأجيالاً تصعد إلى القرار.
أما حين تبقى القيادة نفسها لعقود، ويتغير الشباب تحتها ولا تتغير هي، فربما يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام أحزاب فعلاً، أم أمام زعامات دائمة تحيط نفسها بهياكل حزبية؟
والمفارقة أن هذه القيادات تحتاج إلى الشباب باستمرار.
تحتاج إلى حماستهم في الجامعة.
إلى أصواتهم في الانتخابات الطلابية.
إلى وجودهم في المهرجان.
إلى صورتهم خلف الزعيم.
إلى طاقتهم على مواقع التواصل.
وإلى استعدادهم للدفاع عن قضية يعتقدون، بحماسة العمر الأولى، أنها قضيتهم هم.
وتشير دراسات عن الجامعات اللبنانية إلى أن الأحزاب التقليدية استخدمت فروعها الشبابية وشبكات الزبائنية والمساعدات والمنح وفرص العمل لاستقطاب الطلاب وتثبيت الولاء السياسي والطائفي.
وهنا قد تتحول قلة الخبرة، لا إلى عيب في الشباب، بل إلى فرصة لمن هم أكثر خبرة في إدارة الولاء.
يُعطى الشاب شعوراً بأنه شريك في القرار، فيما يكون أحياناً شريكاً في التعبئة فقط.
يُقال له إن المستقبل له، لكن الحاضر يبقى محجوزاً للقيادة نفسها.
يصعد إلى المنصة، لكن ليس بالضرورة إلى غرفة القرار.
يتغير اسم مسؤول الطلاب، ثم مسؤول الشباب، ثم مسؤول المنطقة…
ويبقى رأس الهرم حيث هو.
وهكذا تصبح مهمة بعض الأطر الشبابية، بدل أن تجدد الحزب، أن تجدد شباب صورة القيادة.
وهذا أخطر من مجرد استغلال انتخابي.
لأنه يصنع وهم المشاركة.
يعتقد الشاب أنه يغيّر التنظيم، فيما قد يكون التنظيم هو الذي يعيد تشكيله لكي يضمن استمراره بالصورة نفسها.
وفي ذلك مفارقة لبنانية تستحق التأمل:
الشباب يتغيرون كل عشر سنوات، أما بعض القيادات فتطلب منهم في كل عشر سنوات أن يكتشفوها من جديد.
وهكذا لا ينتقل الإرث السياسي من الأب إلى الابن فقط.
قد ينتقل أيضاً من زعيم إلى جيل جديد من الأتباع.
وتصبح الحماسة الشبابية وسيلة لتجديد القديم بدلاً من أن تكون قوة لتغييره.
وهنا تكمن قوة النظام اللبناني الحقيقية.
ليست فقط في زعمائه.
بل في قدرته على إعادة إنتاج نفسه داخل الذين يشتكون منه.
يمكن للبناني أن يشتم النظام صباحاً، ثم يعود مساءً إلى زعيم طائفته كي يحميه من النظام.

فهل يعني ذلك أن الشباب هم الحل؟
ليس بهذه البساطة.
الشباب ليسوا ملائكة سياسية.
يمكن أن يتعصبوا.
يمكن أن ينساقوا وراء الأخبار الكاذبة.
يمكن أن يصنعوا زعاماتهم الصغيرة ونجومهم ونرجسياتهم.
ويمكن لمنصات التواصل نفسها التي حررتهم من احتكار الإعلام أن تحبسهم داخل غرف صدى جديدة.
لكن لدى هذا الجيل ميزة لا يمكن تجاهلها.
إنه أكثر قدرة من الأجيال السابقة على رؤية العالم خارج الحدود التي رسمتها له الجماعة.
يرى.
يقارن.
يسأل.
يسخر.
ويستطيع أن يسمع خطاب زعيمه وفي اللحظة نفسها أن يفتح هاتفه ليتحقق إن كان ما قيل له صحيحاً.
وهذا وحده تغيير كبير.
لذلك ربما لا تكون المعركة المقبلة معركة وصول الشباب إلى السلطة.
على الأقل ليس أولاً.
المعركة الأهم هي: هل يستطيع الشباب استعادة الرأي العام؟
هل يستطيعون أن يجعلوا اللبناني يناقش القضية قبل أن يسأل عن طائفة صاحبها؟
هل يستطيعون إعادة تعريف المصلحة العامة؟
هل يستطيعون أن يقولوا للسياسي: أنت تأتي إلى نقاشنا، لا نحن إلى خندقك؟
وهل يستطيع الشاب، داخل حزبه أيضاً، أن يسأل السؤال الذي تخشاه القيادات الدائمة:
إذا كان الحزب يحتاج إلى شباب جدد دائماً، فلماذا لا يحتاج إلى قيادة جديدة أيضاً؟
إذا وصل الشباب إلى هذا السؤال، يكونون قد انتقلوا من التعبئة إلى السياسة.
ومن التصفيق إلى المحاسبة.
ومن وراثة الزعامة إلى مساءلتها.
وعندها يصبحون القاطرة فعلاً.
فالقاطرة ليست بالضرورة من يجلس في القصر.
القاطرة هي من يحدد إلى أين يسير القطار.
ولهذا فإن السؤال لم يعد:
متى يصل الشباب إلى السلطة؟
بل:
متى تستيقظ السلطة لتكتشف أن الشباب سبقوها إلى الرأي العام؟
وعندما يحدث ذلك، ربما نكون قد خطونا الخطوة الأولى في الرحلة الأصعب:
من أتباع الطوائف إلى مواطني الدولة.
ومن شبه الأحزاب إلى الأحزاب.
ومن شبه الدولة…
إلى الدولة

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top