
بقلم ملاك الصميلي
لم يعد ملف أدوية السرطان والبدائل الحيوية المستوردة بصورة استثنائية مجرد نقاش تقني داخل وزارة الصحة، بعدما انتقل إلى القضاء وبدأت تتكشف معطيات تثير أسئلة خطيرة حول آليات تسجيل بعض الأدوية، والفحوص التي خضعت لها، ومدى وصولها إلى المرضى قبل استكمال ملفاتها العلمية.
وفيما تتجه الأنظار إلى الخطوات القضائية المرتقبة لسحب الأدوية المشمولة بالتحقيق ووقف تداولها واستيرادها، يكشف الدكتور هادي مراد، في حديث خاص لـ”ديمقراطيا نيوز”، أن الشبهات حول هذا الملف تعود إلى عام 2018، حين شهدت وزارة الصحة، وفق قوله، توسعاً في التسجيلات الاستثنائية وتسريعاً في إدخال عدد من الأدوية خارج الآليات المعتادة.
ويقول مراد إن سرعة تسجيل بعض المستحضرات أثارت منذ ذلك الحين شكوكاً بشأن مدى الالتزام بالقوانين والإجراءات المعتمدة، ولا سيما أن تسجيل الأدوية الحيوية يتطلّب مساراً علمياً دقيقاً لا يمكن اختصاره أو تجاوزه.
ويوضح أن المشكلة لا تقتصر على نقص بعض المستندات، بل تشمل، بحسب المعطيات التي يتحدث عنها، عدم اكتمال الملفات الطبية لعدد كبير من الأدوية، بما فيها دراسات التكافؤ، واليقظة الدوائية، والمقارنة مع المنتج المرجعي.
ويشير إلى أن بعض الأدوية التي طُرحت على أنها بدائل حيوية، أي “Biosimilars”، لا تمتلك، وفق قوله، منتجاً مرجعياً واضحاً يمكن مقارنة فعاليتها به، ما يجعل وصفها العلمي أقرب إلى “Biomimics”، أي نسخ بيولوجية مقلّدة لم تُثبت مماثلتها الكاملة للدواء الأصلي.
ويشرح مراد أن الأدوية الحيوية تختلف عن الأدوية الجنيسة التقليدية، إذ لا يكفي أن تحتوي على مكوّن مشابه للمادة الأصلية، بل تحتاج إلى دراسات سريرية ومقارنات علمية دقيقة لإثبات مستوى التطابق في الفعالية والسلامة.
ويضيف أن استكمال هذه الدراسات قد يتطلّب سنوات، إلا أن بعض الأدوية دخلت لبنان، بحسب قوله، بموافقات استثنائية تحت عنوان تسريع التسجيل واستكمال الملفات لاحقاً، في حين لم تُستكمل ملفات عدد كبير منها حتى الآن.
وعن وصول هذه الأدوية إلى المرضى، يؤكد مراد أن عدداً من مرضى السرطان والمناعة تلقّوا بالفعل أدوية هندية وصينية وإيرانية وفّرتها وزارة الصحة، بعدما فازت الشركات المستوردة بالمناقصات الرسمية.
ويعتبر أن إعطاء أي دواء لا يستوفي الشروط المطلوبة لمرضى السرطان والمناعة يشكّل “جرماً بحق المرضى”، مؤكداً وجود معلومات عن المرضى الذين استخدموا بعض هذه المستحضرات وعن أسماء الأدوية التي حصلوا عليها.
وفي ما يتعلق بالتحذيرات السابقة، يقول مراد إنهم أثاروا الملف إعلامياً واستندوا إلى وثائق وأدلة، قبل التقدّم عامي 2021 و2022 بدعوى قضائية بالتعاون مع مجموعة من المحامين، اعتراضاً على ما وصفه بالاستنسابية في إدخال الأدوية، إلا أن الدعوى لم تسلك طريقها إلى التحقيق الجدي آنذاك.
ويرى مراد أن فتح الملف قضائياً اليوم يشكل فرصة لكشف كامل المسار الذي سلكته هذه الأدوية، من لحظة تقديم طلبات تسجيلها إلى وصولها إلى المرضى.
ولا يحصر المسؤولية بجهة واحدة، بل يعتبر أن التحقيق يجب أن يشمل جميع وزراء الصحة المتعاقبين منذ عام 2018، إضافة إلى أعضاء اللجان الفنية والمسؤولين عن تسجيل الأدوية والشركات المستوردة، لتحديد مَن اتخذ قرارات إدخالها ومَن استفاد منها.
أمّا عن مصير المرضى، فقال مراد بلهجة شديدة: “يجب شنق كل مَن كان مسؤولاً عن إدخال هذه الأدوية، وكل مَن حقّق منها ربحاً، سواء كان مستودعاً أو شركة استيراد أو عضواً في لجنة فنية أو مسؤولاً وقّع على إدخالها”.
ويتحدث مراد عن احتمال وجود خلل رقابي وإهمال، إلى جانب تسهيلات متعمّدة لمصلحة بعض الشركات والمستوردين، مطالباً القضاء بالتدقيق في شبهات السمسرة والرشوة وتحقيق الأرباح على حساب جودة العلاج.
و يختم مراد بضرورة وقف الأدوية التي يثبت عدم استكمال ملفاتها، بالتزامن مع وضع خطة عاجلة لاستيراد بدائل آمنة من مصانع مرجعية كانت تعتمدها وزارة الصحة قبل عام 2018، بما يحمي المرضى ويمنع انقطاع علاجهم.
