
بقلم إحسان الطبش
أعادت حالات التسمّم الغذائي الأخيرة وإقفال عدد من المطاعم والمؤسسات بالشمع الأحمر فتح ملف سلامة الغذاء في لبنان، وطرحت تساؤلات حول فعالية الرقابة وقدرة الجهات المعنية على حماية صحة المواطنين. فالمشكلة لا تقتصر على اكتشاف المواد الغذائية الملوّثة أو إقفال المؤسسات المخالفة، بل تتصل بقدرة الدولة على منع وصول الغذاء غير الآمن إلى المستهلك ومحاسبة المسؤولين عن تداوله.
وفي هذا السياق، يؤكد رئيس مجلس إدارة الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء، البروفسور إيلي ناجي عوض، في حديث لـ”ديمقراطيا نيوز”، أن الحوادث الأخيرة كشفت عن “ثغرات جدية” في منظومة الرقابة الغذائية، موضحاً أن لبنان لا يفتقر إلى الكفاءات العلمية أو التشريعات، بل تكمن المشكلة في عدم استكمال تطبيق قانون سلامة الغذاء رقم 35/2015، وضعف التنسيق بين الجهات الرقابية، إلى جانب النقص في الإمكانات البشرية والتقنية واللوجستية.
ويشير عوض إلى أن الرقابة لا يجب أن تقتصر على المطاعم، بل ينبغي أن تشمل سلسلة الغذاء كاملة، بدءاً من مصدر اللحوم وذبحها ونقلها وتخزينها، وصولاً إلى توزيعها واستخدامها في المؤسسات الغذائية، معتبراً أن قضية مطعم “ناديني” أظهرت ضرورة الانتقال من معالجة التسمّم بعد وقوعه إلى اعتماد الوقاية والرقابة الاستباقية.
اجتماع السراي وخطة الرقابة الجديدة
وعقب الاجتماع الطارئ الذي ترأسه رئيس الحكومة نواف سلام في السراي الحكومي، يوم الاثنين 2 تشرين الثاني، بمشاركة عوض ووزير الصحة العامة ركان ناصر الدين وعدد من الوزراء والمسؤولين، كُلّفت الهيئة تنسيق الجهود بين الوزارات والإدارات المعنية، وإعداد خطة فورية للكشف على المسالخ ومستودعات اللحوم.
ويكشف عوض أن الخطة تقوم على خمسة مسارات: حصر المؤسسات المرخّصة وغير المرخّصة، وتنفيذ جولات تفتيشية مشتركة، وأخذ عينات وإخضاعها للفحوص الجرثومية والطفيلية، وتتبع مصادر اللحوم وتحديد المسؤوليات، وإحالة المخالفات إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية والقضائية المناسبة.
ويؤكد أن التنفيذ سيبدأ فوراً، مع إعطاء الأولوية للمنشآت الأكثر خطورة، على أن تتوسع عمليات الكشف تدريجياً لتشمل مختلف المناطق اللبنانية، مشدداً على أن الهدف ليس إطلاق حملة تفتيش مؤقتة، بل تأسيس برنامج رقابي مستمر على قطاع اللحوم.
صلاحيات قانونية وإمكانات غير مكتملة
ورغم الصلاحيات التي منحها قانون سلامة الغذاء للهيئة، والتي تشمل تقييم المخاطر وتتبع الغذاء وأخذ العينات ومراقبة مختلف مراحل السلسلة الغذائية، يلفت عوض إلى ضرورة التمييز بين الصلاحيات القانونية والقدرة الفعلية على تنفيذها.
فالقانون نصّ على إنشاء جهاز رقابي تابع للهيئة، يتمتع مراقبوه بصفة الضابطة العدلية ضمن الأصول القانونية، بما يتيح لهم الدخول إلى المؤسسات وأخذ العينات وتنظيم محاضر المخالفات. إلا أن هذا الجهاز لا يزال بحاجة إلى استكمال توظيف عناصره وتجهيزه.
ويوضح عوض أن الهيئة تعمل حالياً بالتنسيق مع الأجهزة الرقابية في الوزارات والإدارات المختصة لتفادي أي فراغ رقابي أو تضارب في الصلاحيات، مؤكداً أنها ليست بديلاً عن الوزارات، بل المرجعية الوطنية التي يُفترض أن تتولى توحيد جهودها وتنسيق الرقابة. أما إجراءات الإقفال والمصادرة والتدابير القضائية، فتخضع للصلاحيات والمسارات القانونية المحددة.
تتبّع اللحوم لمنع تكرار التسمّم
وفي ما يتعلق بقضية اللحوم الملوّثة، يشير عوض إلى أن تحديد مصدر التلوث يتطلب نظاماً فعّالاً للتتبّع الغذائي، يسمح بالعودة من المطعم إلى المورّد والمستودع والمسلخ أو المستورد، وصولاً إلى المصدر الأصلي للحوم.
ويشمل ذلك مراجعة شهادات الاستيراد والفحوص الصحية، وأرقام دفعات الإنتاج والذبح، وسجلات النقل والتخزين ودرجات الحرارة، وفواتير البيع والتوزيع. ويؤكد أن قانون سلامة الغذاء يُلزم المؤسسات بالاحتفاظ بسجلات تتعلق بمصدر الغذاء ومراحل استيراده ونقله وتخزينه وتوزيعه، ما يجعل التتبّع واجباً قانونياً وليس إجراءً اختيارياً.
ويحذّر عوض من أن غياب نظام تتبّع فعّال قد يؤدي إلى إقفال مؤسسة مخالفة، من دون ضمان منع وصول الدفعة نفسها من اللحوم إلى عشرات المؤسسات الأخرى.
ستة احتياجات لاستكمال عمل الهيئة
ويحدّد عوض ستة احتياجات أساسية لتمكين الهيئة من أداء مهامها: توظيف مراقبين غذائيين ومتخصصين، وتأمين السيارات والمعدات الميدانية، وتعزيز قدرات المختبرات الرسمية وربطها بشبكة وطنية تضمن سرعة الفحوص ودقتها، وإنشاء منصة إلكترونية موحّدة لبيانات المؤسسات والتراخيص ونتائج التفتيش والمخالفات والشكاوى، واستكمال المراسيم والأنظمة التطبيقية لقانون سلامة الغذاء، إلى جانب تخصيص موازنة فعلية ومستدامة للهيئة.
ويعتبر أن التحدي الأكبر يتمثل في الفجوة بين المسؤوليات والصلاحيات التي منحها القانون للهيئة والإمكانات المتوافرة لديها فعلياً، مشيراً إلى أن رئيس الحكومة أعلن التزام الحكومة بتعزيز قدراتها واستكمال جهازها الرقابي والتنفيذي وتأمين احتياجاتها البشرية والتقنية.
وفي المحصلة، لا تُقاس فعالية الرقابة الغذائية بعدد المطاعم التي تُقفل بالشمع الأحمر، بل بقدرة الجهات المعنية على اكتشاف الخطر قبل وصوله إلى المستهلك، وتتبع مصادره ومحاسبة المسؤولين عنه. وبين الصلاحيات القانونية والإمكانات التي لا تزال الهيئة بحاجة إليها، يبقى التحدي في تحويل القرارات الحكومية إلى إجراءات مستمرة ونتائج ملموسة. فهل تنجح الدولة في حماية غذاء اللبنانيين قبل وقوع التسمّم، أم يبقى التحرك مرتبطاً بظهور حالات جديدة؟
