
بقلم ياسمين شعبان
أعادت زيارة الوفد الوزاري اللبناني إلى دمشق، يوم الإثنين 2 تشرين الثاني 2026، برئاسة نائب رئيس الحكومة طارق متري، العلاقات اللبنانية–السورية إلى واجهة النقاش السياسي، في ظل اختلاف الأولويات بين الجانبين. فبينما ينشغل لبنان بملف النازحين السوريين، تبدو دمشق أكثر اهتماماً بالمسائل الأمنية وضبط الحدود، وسط تساؤلات عن مدى استعداد الطرفين للانتقال من اللقاءات الرسمية إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ.
وفي هذا الإطار، ينظر المحلل السياسي خالد حمادة بإيجابية إلى زيارة الوفد اللبناني، معتبراً، في حديث خاص لموقع “ديمقراطيا نيوز”، أن استمرار التواصل بين بيروت ودمشق ضرورة بحد ذاته، بمعزل عن النتائج التي قد تفضي إليها كل زيارة.
وبحسب حمادة، فإن ما نُشر عن المحادثات يعكس تفاوتاً في ترتيب الأولويات، لكنه يرى أن الأمن يجب أن يتقدم على سائر الملفات بالنسبة إلى البلدين، ولا سيما أن الحدود المشتركة، الممتدة لأكثر من 300 كيلومتر، لا تزال تشهد عمليات تهريب للمخدرات والأسلحة والمتفجرات، ما يستدعي تعاوناً جدياً لمعالجتها. غير أن المشكلة، وفق حمادة، لا تتوقف عند الصعوبات التقنية المرتبطة بضبط الحدود، بل تتجاوزها إلى حسابات سياسية لبنانية تعيق تطوير العلاقة مع دمشق.
ويشير إلى أن جزءاً من القوى المشاركة في صنع القرار اللبناني لم يتعامل بعد مع التحول الذي شهدته سوريا، ولا يبدي قبولاً بالإدارة الجديدة، لافتاً إلى أن بعض هذه القوى كان يرتبط بعلاقات سياسية وثيقة مع نظام بشار الأسد، وهو ما ينعكس على مقاربة الدولة اللبنانية للملفات المشتركة.
ويرى حمادة أن رئيس الحكومة وعدداً من الوزراء حاولوا تقديم مبادرات باتجاه تحسين العلاقات، إلا أن وجود أطراف سياسية لا ترغب في هذا المسار يحدّ من فرص التوصل إلى اتفاقات، سواء في المجال الأمني أو في الملفات الاقتصادية.
ولا تقتصر انعكاسات هذا التعثر على الحدود، إذ يلفت إلى أن لبنان يحتاج إلى تعاون فعلي مع سوريا في مسائل أساسية، بينها حركة البضائع والتبادل التجاري واستجرار الكهرباء والغاز. وهي ملفات يرى أنها لا تحتمل الاستمرار في التعامل معها وفق الحسابات السياسية السابقة.
ويضع حمادة هذه التعقيدات في سياق أوسع يرتبط بالتغييرات التي طرأت على المشهد الإقليمي، وفي مقدمها خروج الحرس الثوري الإيراني من دمشق بعد سقوط النظام السابق، إلى جانب استمرار الانقسام اللبناني بشأن سلاح حزب الله وعلاقته بطهران.
وبالنسبة إليه، لم تعد الظروف الإقليمية تسمح بالتعامل مع سوريا وفق المعادلات التي كانت قائمة في السنوات الماضية. فالتوتر مع إيران، والتحولات التي شهدتها المنطقة، يفرضان على الحكومة اللبنانية مراجعة أولوياتها وإعادة تحديد الأسس التي ينبغي أن تقوم عليها علاقتها مع دمشق.
كما يتوقف عند التحديات الأمنية داخل سوريا، مشيراً إلى الإعلان عن ضبط خلية اتُّهمت بالتخطيط لتفجير مصفاة حمص، ومعتبراً أن مثل هذه التطورات تزيد حساسية الملف الأمني وتفرض مزيداً من التنسيق بين البلدين.
وفي مقاربته لمستقبل العلاقة، يعود حمادة إلى العامل الجغرافي الذي يعتبره أساسياً، مؤكداً أنه “لا مجال ولا قدرة للبنان على القفز فوق سوريا”، باعتبارها المنفذ البري الذي يربطه بالدول العربية وتركيا.
ومن هنا، يرى أن المطلوب من الحكومة اللبنانية ليس الاكتفاء بإبقاء قنوات التواصل مفتوحة، بل إعادة صياغة أولوياتها بما يتناسب مع الواقع السوري الجديد ومصالح لبنان الاقتصادية والأمنية.
وبين اختلاف الأولويات والعوائق السياسية الداخلية، تبقى المسألة، وفق قراءة حمادة، مرتبطة بقدرة لبنان على تجاوز حساباته السابقة والتعامل مع دمشق انطلاقاً من المصالح المشتركة، بدلاً من إبقاء الملفات الحيوية رهينة الخلافات السياسية.
