مراد ل”ديمقراطيا نيوز”: حسابات الحرب تتغيّر في واشنطن… ولبنان لا يحتمل مغامرة جديدة

بقلم ياسمين شعبان

لم تمرّ نتائج الانتخابات النصفية الأميركية من دون أن تترك تساؤلات بشأن مستقبل الحرب مع إيران. فبعد الخسارة التي تكبّدها الجمهوريون، يجد الرئيس دونالد ترامب نفسه أمام واقع سياسي مختلف، قد يفرض عليه إعادة النظر في طريقة إدارة المواجهة، وسط ترقّب لما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد تحريكاً للمفاوضات مع طهران، أم مزيداً من التصعيد العسكري.

وفي حديث خاص لموقع “ديمقراطيا نيوز”، اعتبر الأستاذ الجامعي والمحامي الدكتور علي مراد أن نتائج الانتخابات كشفت عن كلفة جديدة للحرب، لم تعد تقتصر على الخسائر العسكرية والتداعيات الاقتصادية، بل وصلت إلى الداخل الأميركي، وأصبحت تؤثر بصورة مباشرة على موقع ترامب السياسي وقدرته على الاستمرار في المواجهة بالحسابات السابقة.

وبحسب مراد، لا تعني هذه النتائج أن واشنطن تتجه حكماً إلى تغيير أهدافها تجاه إيران، لكنها قد تدفع الإدارة الأميركية إلى مراجعة الوسائل المعتمدة لتحقيقها. فترامب يستطيع البحث عن تسوية يقدمها للرأي العام باعتبارها انتصاراً، كما قد يختار تصعيد العمليات العسكرية لتحسين شروط التفاوض، أو الإبقاء على المواجهة ضمن حدود معينة من دون حسمها.

وفي المقابل، قد تجد طهران في التراجع الانتخابي للجمهوريين فرصة لتحسين موقعها التفاوضي، انطلاقاً من تقديرها بأن قدرة ترامب على تحمّل حرب طويلة باتت أكثر محدودية. غير أن مراد يحذّر من المبالغة في هذه القراءة، إذ إن ارتفاع الكلفة السياسية للحرب لا يعني فقدان الإدارة الأميركية قدرتها على استخدام القوة.

ويشير إلى أن الأهداف الأميركية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني وأمن إسرائيل والخليج والحد من النفوذ الإيراني في المنطقة لا تزال قائمة. أما السؤال الذي تفرضه التطورات الأخيرة، فيتعلق بمدى قدرة العمليات العسكرية على تحقيق هذه الأهداف، وما إذا كانت نتائجها توازي الأكلاف التي دفعتها واشنطن.

ويرى مراد أن الحرب أظهرت مرة أخرى الفارق بين التفوق العسكري والقدرة على فرض تسوية سياسية. فقد تتمكن الولايات المتحدة من إضعاف إيران عسكرياً واقتصادياً، لكنها لا تستطيع بالضرورة دفعها إلى القبول بالشروط الأميركية أو تغيير خياراتها الاستراتيجية.

التفاوض أم التصعيد؟

وعن احتمالات العودة إلى طاولة المفاوضات، يلفت مراد إلى أن الاتصالات غير المباشرة لم تتوقف بالكامل، وبالتالي فإن المشكلة ليست في استئناف الحوار بحد ذاته، بل في الشروط التي يمكن أن يقبل بها الطرفان لإنهاء المواجهة.

ولا يستبعد التوصل إلى اتفاق مرحلي يشمل وقف العمليات العسكرية وفتح مضيق هرمز وتخفيف بعض القيود الاقتصادية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مراحل لاحقة. وقد تتوسع التفاهمات لتتناول البرنامج النووي والترتيبات الأمنية في المنطقة، وإن كانت الخلافات الحالية تجعل الوصول إلى تسوية شاملة مسألة صعبة.

في الوقت نفسه، يشدد على أن التفاوض لا يلغي احتمال التصعيد. فقد تلجأ واشنطن إلى عمليات عسكرية إضافية لتحسين موقعها، فيما تحاول إيران إثبات أن الضغط العسكري لن يكون كافياً لإخضاعها. وبين هذين التوجهين، تبقى إمكانية استمرار حرب الاستنزاف قائمة، بما يعنيه ذلك من مواجهات متقطعة واتصالات سياسية لا تصل إلى اتفاق نهائي.

لبنان أمام حسابات لا يملك قرارها

أما على المستوى الإقليمي، فيرى مراد أن نتائج الانتخابات الأميركية قد تدفع إسرائيل إلى مراجعة حساباتها، خصوصاً إذا اختارت واشنطن السير نحو تسوية مع طهران. لكن الاحتمال المعاكس يبقى مطروحاً أيضاً، إذ قد تسعى إسرائيل إلى استثمار المرحلة الراهنة عسكرياً قبل تصاعد الضغوط الأميركية لإنهاء الحرب.

ويعتبر أن أي تغيير محتمل في الحكومة الإسرائيلية لا يعني بالضرورة تحولاً جذرياً في سياستها الأمنية تجاه إيران ولبنان، نظراً إلى وجود توجهات استراتيجية تتجاوز الخلافات الحزبية.

وبالنسبة إلى لبنان، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فمن الممكن أن ينعكس التفاهم الأميركي–الإيراني تهدئة على الجبهة اللبنانية، بما يفتح المجال أمام وقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب وعودة الأهالي وإعادة الإعمار. إلا أن مراد ينبّه إلى غياب أي ضمانة بأن تشمل التسوية الإقليمية لبنان أو تعالج الأسباب التي أدت إلى الحرب.

ويحذّر من استمرار الاستنزاف في الجنوب، أو تجدد المواجهة على خلفية التطورات الإقليمية، ولا سيما في ظل ارتباط حزب الله بالصراع الإيراني–الإسرائيلي.

ومن هنا، يؤكد ضرورة أن تكون أولوية الدولة اللبنانية منع اندلاع حرب جديدة، والعمل سياسياً ودبلوماسياً على حماية الجنوب، في ظل الخسائر التي لحقت بالبلد وعجزه عن تحمّل مواجهة إضافية.

حصرية السلاح ومراجعة تجربة حزب الله

وفي مقاربته للوضع الداخلي، يعتبر مراد أن حصرية السلاح بيد الدولة واحتكارها قرار الحرب والسلم ليستا موضع تفاوض أو مطلباً جديداً، بل التزامات نصّ عليها اتفاق الطائف، وأُعيد التأكيد عليها في خطاب القسم والبيان الوزاري وقرارات مجلس الوزراء.

ويشدد على أن تنفيذ هذه الالتزامات لا يجوز أن يبقى مرتبطاً بمسار المفاوضات الأميركية–الإيرانية أو بالقرارات الإسرائيلية.

وفي تقييمه لتجربة حزب الله، يرى مراد أن النتائج التي انتهت إليها المواجهات تفرض مراجعة جدية لخيارات الحزب العسكرية والسياسية. فالسلاح الذي جرى تقديمه على أنه قوة ردع، بحسب رأيه، لم يمنع الاعتداءات الإسرائيلية أو تدمير القرى الجنوبية وتهجير سكانها، ما يطرح تساؤلات أساسية بشأن جدوى الاستمرار بالمقاربة نفسها.

ويحمّل مراد الحزب مسؤولية اتخاذ قرارات مصيرية خارج مؤسسات الدولة، مشيراً إلى أن انخراطه في صراعات إقليمية، من سوريا إلى العراق واليمن، وصولاً إلى فتح جبهة إسناد غزة والمواجهة المرتبطة بإيران، جعل لبنان يتحمّل تبعات خيارات لم يكن شريكاً في اتخاذها.

ويرى أن المشكلة لا تقتصر على الخسائر التي وقعت، بل تشمل أيضاً غياب مراجعة سياسية جدية لهذه التجربة، رغم ما طرأ من تغيرات على موازين القوى والظروف الإقليمية.

لكنه يوضح في الوقت عينه أن انتقاد خيارات حزب الله لا يعفي إسرائيل من مسؤوليتها المباشرة عن الاعتداءات والاحتلال والدمار الذي لحق بالجنوب، مؤكداً أن وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي يجب أن يترافقا مع استعادة الدولة سلطتها الكاملة على السلاح وقرار الحرب والسلم، من دون استخدام أحد المسارين ذريعة لتعطيل الآخر.

ويختم مراد بالتشديد على أن الجنوب دفع ثمناً باهظاً خلال الحروب الأخيرة، وأن المطلوب اليوم يتجاوز المطالبة بعودة النازحين وإعادة إعمار القرى، ليصل إلى معالجة الأسباب التي تُبقي خطر الحرب قائماً. فاستمرار ربط مصير لبنان بالمواجهة بين إسرائيل من جهة، وإيران وحزب الله من جهة أخرى، يعني إبقاء البلد أمام احتمالات مفتوحة من التصعيد والاستنزاف. وفي ظل الدمار الذي أصاب القرى الجنوبية والخسائر التي تكبّدها الأهالي، يرى مراد أن منع الحرب المقبلة واستعادة الدولة قرارها باتا ضرورة لا تحتمل مزيداً من التأجيل.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top