
كتب صائب بارودي
لم تحدث الأزمة السياسية في لبنان والشغور الرئاسي ضمن أصول اللعبة الديمقراطية، ولم يكن إخفاق المجلس النيابي في انتخاب رئيس جديد للجمهورية خلفًا للرئيس السابق ميشال عون محض صدفة أو وليد الظروف الآنية بدايةً من جلسته الإنتخابية الأولى التي عقدت في ٢٩ أيلول ٢٠٢٣ وما تلاها من جلسات وحتى الآن، إنما جاءت كما تؤكد المعطيات والمؤشرات وفي سياق زمني سياسي وفق سيناريو مدروس ومبرمج إستعداداً لمتطلبات أحداث مرتقبة في المنطقة.
وليست المرة الأولى التي يتعرض فيها لبنان لأزمة سياسية بل سبق أن واجه في تاريخه الحديث عدة حالات مشابهة شهدت خلالها البلاد إما حرباً أهلية (١٩٧٥-١٩٨٩) أو صراعات داخلية، حال فيها الانقسام السياسي والطائفي دون التوافق على انتخاب رئيس.
- فقد شهد لبنان فراغاً في رئاسة الجمهورية امتد من ٢٣ أيلول ١٩٨٨ إلى ٥ تشرين الثاني ١٩٨٩ ،بعد انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل.
- كما شهد لبنان فراغاً في الرئاسة امتد من ٢٣ تشرين الثاني ٢٠٠٧ وحتى ٢٥ أيار ٢٠٠٨ مع انتهاء ولاية الرئيس اميل لحود، وعقد اجتماع الدوحة الذي أدى إلى انتخاب العماد ميشال سليمان.
- كما عرف لبنان شغوراً رئاسياً امتد نحو عامين ونصف عند انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان في أيار ٢٠١٤ أعقبه انتخاب العماد ميشال عون في ٣١ تشرين الأول ٢٠١٦.
ومن الملاحظ واللافت معاً أن كل شغور رئاسي يشهد خلاله لبنان أحداثاً أمنياً أو انقساماً سياسياً حاداً ينتهي بتولي شخصية عسكرية الرئاسة (لحود-سليمان-عون). وقد رأى البعض في هذا سيناريو انقلاب عسكري بأدوات دستورية(النواب).
ولا يمكن تجاهل أن هذه الأزمات وقعت خلال وصاية النظام السوري على لبنان -مباشرة او عبر وكيل- حيث كان اللاعب الرئيسي في ساحة السياسة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية وكافة مرافقها الحيوية فيفتعل الأزمة ليعالجها وفق مقتضيات مصالحه ومآربه وأهدافه.
وعند التطرق إلى الأزمة الدستورية الراهنة يجدر الالتزام بالموضوعية والتحلي بالمصداقية، لذا وأهم متطلبات ذلك خلع القفازات البيضاء، والتخلي عن اللغة الدبلوماسية وأسلوب المراوغة والمناورة والمجاراة والمواربة ووضع النقاط على الحروف دون أي تحريف أو تزييف.
ومن هذا المنطلق، يمكن تناول ملف الأزمة الرئاسية الراهنة من خلال مواقف المعنيين واللاعبين العابثين بأوراقه:
- حزب الله وهو المعني الرئيسي واللاعب الأكبر في هذا الملف الذي أطلق إشارة التعطيل حين بادر إلى ترشيح الوزير الأسبق سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية مع إدراكه أن غالبية الأطراف والقوى السياسية اللبنانية الأخرى تعارضه. إلا أن إصرار الحزب وتمسكه بفرنجية وعدم التراجع عن موقفه يعني الرغبة الشديدة في التعطيل، وهو المرتجى والمبتغى ل”حزب الله” كي يحافظ على حريته في تنفيذ المخطط المرسوم في المنطقة ومشاركته في حرب غزة ليمنح في نهايتها انتصاراً مزعوماً يترجمه إلى امتيازات ونفوذاً سياسياً في منظومة الحكم الجديدة المنتظرة.
- حزب القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر اللذان يتفقان على معارضة ترشيح فرنجية رغم الخلاف السياسي بينهما ويسعيان إلى انتخاب رئيس وفق شروطهما أو بمعنى أصح يضمن لهما حصصهما ومغانمهما في مؤسسات الدولة ويضمن لهما دوراً مميزاً وفاعلاً في السلطة الجديدة، ويصرّان على موقفيهما ولو أدى ذلك إلى تعطيل الإنتخاب.
- الأحزاب والقوى والشخصيات المسيحية الأخرى الذين يرفضون اختزالهم وتجاوزهم أو تجاهل حضورهم السياسي.
- الكتل النيابية من الطوائف الأخرى المشتتة في انتماءات أقلية مختلفة .
- “اللجنة الخماسية” المكلّفة بمعالجة الأزمة اللبنانية مع الأطراف السياسية اللبنانية والتي تبدو رغم اجتماعاتها المتحركة والمتنقلة بين باريس والقاهرة وقطر والسعودية وبيروت والتي توحي بخلافات بينهم في وجهات النظر،أصبحت عاجزة عن إيجاد الحل المأمول للأزمة اللبنانية.
وبالمختصر كل المعنيين بالملف اللبناني يغني على ليلاه بأسلوبه وغايته. لكن في الواقع لا أحد يعنيه الملف اللبناني بقدر ما يعنيه تحقيق مآربه وأهدافه القريبة والبعيدة، وتبقى الأزمة اللبنانية أوراقها متبعثرة ولملمتها ليس في الوقت القريب.
